الصفحة 2 من 6

(الثاني) حصر التاريخ بالأحوال والأحداث التي يمرّ بها أي كائن ما في الوقت الذي يتناول التاريخ في أبحاثه أمورًا أخرى كالتي تتعلق بذات ذلك الكائن وبالخصوص إذا كان إنسانًا كتاريخ الفكر الحضاري وتطوّر الذهنيّة البشرية وغير ذلك من خلال ثلاث اتجاهات وميادين متلاحمة مترابطة تأتي الإشارة اإليها عمّا قريب.

وأما الكلام على اشتقاق كلمة التاريخ من المواد اللغوية ففيه أقول خمسة:

فأماابن منظور في لسان العرب فقد قال بصدد ذلك مانصه: التاريخ مأخوذ من لفظ (الأرخ) بمعنى ولد البقرة الصغيرة لأنه يشبه الشيء الحادث كما يحدث الولد فهو حدث جديد.

وابن فارس في معجم مقايس اللغة خالفه في اطلاق كلمة (أرخ) على ولد البقرة الصغيرة وصرح بأنها اسم لبقر الوحش هذا هو القول الأول في ذلك وممن جنح اليه المطرزي في المغرب.

(وأما القول الثاني) فيذهب الى أن أصل التاريخ التأخير صارت الى ماصارت إليه عن طريق القلب المكاني كما نوضحه لك بهذا الرسم البياني:

ذكره المطرزي في المغرب ولم ينسبه الى قائل على جهة التعيين وهو قول وجيه أقوى من غيره.

(وأما القول الثالث) فيذهب الى أن الكلمة ليست عربيّة في الأصل وأنها مأخوذة عن أصل فارسي وهذا الأصل هو (ماه روز) أي (يوم الشهر) فحين عربت هذه الكلمة فيما زعموا صارت (مُؤْرِخ) ومنها كانت كلمة التاريخ وحكي هذا القول عن البيروني في كتابه الآثار الباقية والخوارزمي في كتابه مفتاح العلوم ولايخفى مافيه من تكلّف وبُعْد، قال ابن فارس في معجمه: (وأما تأريخ الكتاب فقد سمع وليس عربيًا ولا سمع من فصيح) وردت دعواه هذه في الجمهرة. بما ذكر عن يونس وابي مالك من أنهما قالا بأنهما سمعاه من العرب، وفي المجمل زاد ابن فارس بقوله: وتأريخ الكتاب كلمة معربة معروفة لكنه لم يذكر أصالها الذي أخذت منه ويقرب من ذلك ماصرح به المطرزي في المغرب بقوله: وقيل ليس بعربي محض.

والذي يقوي عربيّة تلك الكلمة ونفي أعجميتها مايمكن أن نستدل به من كتب اللغة الفارسيّة حيث تصرح بنفي فارسيتها وتشهد بعربيتها قال حسن عميد في معجمه الموسوم بـ (فرهنگ فارسي عميد) : تاريخ (عربي) در فارسي (سالمه) نيز ميكويند ــ وفي باب السين قال ـ: سالمه اسم (بسكون لام وفتح ميم سال ماه حساب سال وماه تاريخ.

وقد عثرنا بعد الفحص والتتبع على مستند دعوى كون كلمة تأريخ تعريب (ماه روز) وهومارواه عن العامة العلامة المجلسي في البحار في كتاب السماء والعالم في باب السنين والشهور حيث جاء فيه: أن عمر جمع الصحابة واستشارهم فيما يضبط به الأوقات فقال له الهرمزان ملك الأهواز وقد أسلم على يديه حين أسر وحمل إليه: إن للعجم حسابًا يسمونه (ماه روز) وأسنده الى من غلب عليهم من الأكاسرة وبيّن كيفيّة استعماله فعربوا (ماه روز) بمؤرخ وجعلوا وصدره التاريخ .... الخ.

(واما القول الرابع) فيذهب الى أن معنى الكلمة التاريخ انتهاء الغاية بقوله: تأريخ كل شئ غايته ووقته الذي ينتهي إليه ومنه قيل: فلان تاريخ قومه أي إليه انتهى شرفهم، ونسب الى الصولي.

(وهناك قول خامس) يذهب إليه المستشرق (جب) بزعمه أن كلمة التاريخ كلمة قديمة ومشتركة في اللغات السامية تلوح القوابة بينها وبين كلمة (برج) في العبرية ومعناها (القمر) و (الشهر) ويضيف بقوله: (ومن المعروف أن الساميين كانوا يحددون شهورهم بالقمر لا بالشمس ولذلك كانوا يبنون تاريخهم على الليالي دون الأيام كما هو الحال في التقويم الهجري الآن) ويعقب على قوله هذا الدكتور نصّار الذي يرتأي هذا القول ومؤيدًا له بقوله في كتابه نشأة الكتابة الفنيّة: (وعلى هذا الرأي نرى أن معنى كلمة التاريخ في مبدأ أمرها كان تحديد الشهر ثم اتسع فصار التوقيت العام أي تحديد عهد أي حادث من الحوادث ولازالت اللغة في تطورها حتى شمل هذا اللفظ رواية الحادث نفسه من جهة وتحديده من جهة أخرى وكانت هذه الخطوة الأخيرة في سبيل بزوغ كلمة التاريخ بالمعنى الإصطلاحي المعروف.

أقول: وهذا قول مستهجن ركيك فاقد لكل قيمة علمية للغاية والذي يترآى منه أنه محاولة تآمريّة مفضوحة يروّج لما الدكتور نصّار في محاولة لإستعراض بعض جذور اللغة العربية وربطها بالثقافة اليهودية وبيان فضيلة جهلها العرب أنفسهم لليهود على العرب ولم أقصد من ذكره ههنا إلا التنبيه على مافي هذا القول من تآمر مستبطن وأيدي صهيونيّة تهدف لضرب الثقافة العربية وأصولها التي ترتبط بالقرآن الكتاب السماوي الخاتم ارتباطًا مباشرًا في محاولة يائسة منهم لبث سموم وأفكار ملتوية معوجّة مستهجنة تهدف في خاتمة المطاف الى غاية خبيثة وطموحات هدّامة شريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت