الصفحة 3 من 6

الميادين والمحاور الموضوعيه للتاريخ

بإمكاننا تصنيف الميادين الموضوعية لعلم التاريخ في صورته النهائيّة الى ثلاثة ميادين ومحاور رئيسيّة نظرًا للإتساع الذي حققه وحالة الشمول والدقة في الإستقراء والإستقصاء في منهجيّته التحقيقيّة الموسوعيّة التي تستمد أصولها من مراحل تطوره التقنيني على مرّ العصور الغابرة ابتداءً من عصر الرسالة وانتهاءًا الى يومنا هذا:

(الميدان الاول) ويتناول الوقائع والأحداث والأوضاع وأحوال البشر في الزمان الماضي في قبال الأوضاع والأحوال الموجودة حاليًا فكل وضع وحاثة وحالة مادامت متعلقة بزمان الحال أي الزمان الذي يبحث فيه عنها تعتبر حوادث اليوم ووقائعه، وأما اذا انقضى زمانه وتعلّق بالماضي فقد أصبح جزءًا من التاريخ ومرتبطًا به، اذن فالعلم بالتاريخ بهذا المعنى هو العلم بالوقائع والحوادث المنصرمة وأوضاع وأحوال الماضين فالتراجم والملاحم والسّير التي تدوّن في مختلف الشعوب كلّها من هذا القبيل وهو من العلوم الجزئية بمعنى أنه علم بجموعة من الأمور الشخصيّة والفردية لا العلم بالكليّات والقواعد والضوابط العامة كما أنه عالم نقلي لاعقلي وعلم بالأكوان لا بالتطورات وبالماضي لا بالحاضر ويطلق عليه اصطلاحيًا (التاريخ النقلي) .

(الميدان الثاني) ونتناول بالبحث والتحقيق القواعد والسنن المهيمنة على حياة الماضين حسبما يستفاد من النظر والتحقيق في الحوداث والوقائع الماضية ومحتوى التاريخ النقلي أي الحوادث الماضية بمنزلة المبادئ والمقدمات لهذا العلم فتلك الحوادث للتاريخ بهذا المعنى كالعناصر التي يجمعها العَالِم الطبيعي في مختبره ويجرى عليها تجاربه بالتحليل والتركيب والملاحظة لإكتشاف خصائصها وطبائعها وروابطها العِليِّة والمعْلُولِيَّة واستنباط القوانين الكليّة بهذا الشأن فالمؤرخ بالمعنى الثاني بصدد اكتشاف طبيعة الحوادث التاريخية وروابطها السببيّة والغائية للوصول الى مجموعة من القواعد والضوابط العامة التي يمكن تعميمها لجميع الموارد المشابهة في الحال والماضي ويطلق عليها اصطلاحيًا (التاريخ العلمي) وموضوع البحث في التاريخ العلمي وإن كان عبارة عن الحوادث والوقائع الماضية إلا أن مايستنبطة من القواعد والقضايا لايختص بالماضي بل يمكن تعميمها للحاضر والمستقبل وهذه الجهة تجعل التاريخ نافعًا ومنبعًا من منابع تحصيل المعرفة لدى الانسان الأمر الذي يسلِّطة على مستقبله إنما الفرق بين ما يعمله المحقق في التاريخ العلمي وما يعمله العالم الطبيعي في أن عناصر التحقيق العلمي مجموعة أشياء موجودة حاضرة عينيّة فبالطبع تكون التجارب والتحاليل عينيّة وتجريبّية وعناصر التحقيق التاريخي شؤون قد مضى زمان تحققها فهي الآن غير موجودة وإنما يملك المؤرخ معلومات عنها وأضابير فهو في حكمه عليها كقاضي المحكمة حينما يحكم على أساس القرائن والشواهد الموجودة في الإضبارة من دون الاستناد الى شهادة الشهود ومن هنا كان تحقيق المؤرخ منطقيًّا وعقليًّا وذهنيًّا لاخارجيًّا وعينيًّا فهو يمارس تحاليله في مختبر العقل باستعمال البرهان العلمي لا في المختبر الكيماوي باستعمال الوسائل الحسيّة. فعمل المؤرخ من هذه الجهة أشبة بعمل الفيلسوف لا العالم الطبيعي، والتاريخ العلمي كالتاريخ النقلي يتعلّق بالزمن الماضي لاالحال وعلم بالأكوان لا التطورات ولكنه خلافًا له فهو علم كلي لا جزئي وعقلي لا نقلي صرف، والتاريخ العلمي في الواقع فصل من علم الإجتماع بمعنى أنه علم بالمجتمعات السابقة وموضوع علم الإجتماع أعم من المجتمعات الحاضرة والسابقة.

نعم إذا خصصنا علم الإجتماع بمعرفة المجتمعات المعاصرة كان التاريخ العلمي وعلم الاجتماع علمين مستقلين ولكنهما في نفس الوقت متقاربان ومن فصيلة واحدة ويحتاج كلّ منهما الى الآخر.

(الميدان الثالث) ويتوفر على دراسة فلسفة التاريخ أي العلم بحركة المجتمعات وتحولها من مرحلة الى أخرى والقواعد الحاكمة على هذه التطورات والتحولات ولهذين الشقين نوعان من القوانين قوانين الحياة وقوانين التكامل فكل مايرتبط بأسباب حدوث الحضارات وعلل سقوطها وأوضاع الحياة الاجتماعية والقوانين العامة المسيطرة على جميع المجتمعات واجتيازها من مرحلة الى مرحلة أخرى ومن نظام الى نظام نعبر عنها بقوانين التطور.

اذن فعلم التاريخ في ميدانه الثالث علم تطور المجتمعات من مرحلة الى أخرى لا علم حياتها وكونها في مرحلة خاصة أوفى جميع المراحل ولكي لا تشتبة هذه المسائل بمسائل التاريخ العلمي المتعلقة المجتمع غير التكاملية وسائل فلسفة التاريخ المتعلقة بحركاته المجتمع غير التكامليّة ومسائل فلسفة التاريخ المتعلقة بحركاته التكاملية كما وقع للبعض.

ثم إنّ فلسفة التاريخ كالتاريخ العلمي علم كلي لاجزئي وعقلي لانقلي ولكنه خلافًا له علم بالتطورات لا بالأكون ويكتسب صفة التاريخيّة من تعلّق مسائله بالزمان الماضي كما هو كذلك في التاريخ العلمي بل يكتسبها من جهة أن مسائله تبتدئ من الماضى وتستمر الى الحال والمستقبل فالزمان في هذه المسائل ليس ظرفًا فحسب بل هو بُعْدٌ من أبعادها.

فعلم التاريخ في مرحلته النهائيّة عبارة عن مجموع الدراسات التي تتوفر بالبحث والتحليل على تحقيق نتاج تاريخي من هذه الميادين الثلاثة منضمّة الى بعضها البعض فأين تعريف مجمع اللغة العربية في القاهرة وبين مسائله التي أشرنا إليها من خلال استعراض الميادين الثلاثة المتقدمة والتعريف الذي نقترحه كبديل عن التعاريف الثلاثة هذه هو أن الأولى أن يقال أن التاريخ عبارة عن جملة ماوقع من الأحداث والوقائع المتحقق وجودها الخارجي عن طريق العامل البشري ومجموع السنن والظواهر الكليّة والمفرزات الصادرة عنه ومن محيطه الذي يعيش فيه سواء كانت قد دوّنت في سجل أم لم تدوّن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت