المحاور التاريخي البارزة في عصر ما قبل الاسلام
(المحور الأول) كان المحور الأساس الذي تدور عليه رحى وقائع تلك الظاهرة الفريدة من الاحتفاظ بالظواهر التاريخية يرتكز بالدرجة الأولى على الشعر لما كان يحتله في نفوسهم ووجدانهم من أهميّة بالغة وضرورة ثقافية ملحة تفرضها البيئة وعوامل الإرتباط والحالة الاجتماعيّة السائدة والتركيبة الوظيفية فيها.
(المحور الثاني) ويرتكز أسّه على علم الأنساب حيث يشاطر العمود الفقري للرواية والاستشهاد رواية المفاخر والبطولات والأمجاد والمثالب وتقصص أخبار بيوتات العرب على نحو يغلب عليه طابع الاستقصاء والاستغراق كما هو المتعارف عليه في نظم العلوم التي يجمعها وحدة الموضوع والغاية ولذا كان متداولًا في تلك الأزمنة بما ينطبق عليه التسمية العلميّة تمام الإنطباق وقد كان لهذه المعرفة أعني معرفة أنساب العرب أهميتها الإجتماعية الكبيرة مما حدى بهم للإفتخار في هذا المجال علي غيرهم من الأمم، كل ذلك للتقدّم الهائل والتفوق الملحوظ الذي حققوه في هذا الميدان.
ومن أمثلة ذلك السبق تقسيمهم لعمود النسب الى عشر طبقات تبدأ بأوسع التجمعات وتنتهي بأصغرها وهذه الطبقات هي: الجذم فالجماهير فالشعوب فالقبيلة فالعمائر فالبطون فالأفخاذ فالعشائر فالفصائل ثم يأتي الرهط أخيرًا وهو في العدد دون العشرة ويمكن التمثيل لهذه الطبقات بالنحو التالي:
عدنان (جذم) ، (قبائل) معد (جمهور) نزار بن معد (شعب) مضر (قبيلة) خندف (عمارة) وهم ولد الياس بن مضر كنانة (بطن) قريش (فخد) قصي (عشيرة) عبد مناف (فصيلة) بنو هاشم (رهط) ... الخ وهكذا نرى أن هذا التقسيم يستوعب أشكال التجمّع المختلفة في المجتمع القبلي وعلاقة كل منها تجمع بغيره فإذا قلنا أنّ علم الأنساب لدى العرب يمثل لونًا من التاريخ الإجتماعي فإننا نرجو ألا نكون قد أبعدنا في القول.
و مهما يكن من شيء فإن العرب في الجاهلية قد الموا بمادة تاريخية واسعة وإن لم
يؤلفوا في التاريخ أو يدونوا تاريخهم ولكن هذه المادة التي كانت تتناقل بينهم شفاهًا كانت خير معين للمؤرخين فيما بعد في تاريخهم لعصور ماقبل الإسلام.
وقد استفاد الشعراء من هذا العلم الشيء الكثير خصوصًا أولئك الذين أصبحوا لسان قبائلهم للذوذ عنها والدفاع عن أحسابهم وأنسابهم والتغمّز في أعدائهم ومن الطبيعي أن ينشأ بحكم هذه الظروف والأجواء الساخنة طبقة النسابين وكانو بمثابة رواة الجاهلية وعلمائها.
ومن أشهرهم دغفل بن حنظلة وعبيد بن شَرْبَة الجرهمي وابن الكيس النمري وابن لسان الحَمَّرة وغيرهم، وكان عهدهم فاتحة عهد جديد للرواية حيث مرت في أول مرحلة تتميز فيما بالمعنى العلمي بما للكلمة من تطابق وتناسب متناسقين.
الاسلام ومنهجيّته الموضوعيّة في تأسيس روح البعث التاريخي
عندما بزغ نجم الإسلام ظهرت معه دواع كثيرة الى الإهتمام بالتاريخ في أشكال نسردها لك بالإستعراض التالي:
(الشكل الأوّل) ترسيخ جذور البنية الأساسيّةلتدوين التاريخ وتتمثل في حث الإسلام وترغيبة المكثّف على التعَلُّم والتعليم لمعتنقيه واتقان القراءة والكتابة قاعدتي العلم الصلبتين، وكان من أبرز مساعيه في ذلك المجال الأسلوب السياسي المحنك الذي اتبعه الصادع بالنبوة عن طريق الزام كل أسير من كفّار المشركين يتقن القراءة والكتابة أن يعلِّمهما عشرة من أبناء المسلمين لقاء اطلاق سراحه وفكّ أغلاله وعتقه.
(الشكل الثاني) الانطباع العميق الذي أوحى به المنهج الهادف لكيفيّة نزول القرآن حيث دفع المسلمين الى الإهتمام بضبط ذلك أثناء نزوله نجومًا على حسب الوقائع والأحداث الأمر الذي خلق اهتمامًا محسوسًا وفتح وعيًا تاريخيًا ذا صبغة دينية لدى الكثير، ويشارك هذا النوع من الطرح فكرة الناسخ والمنسوخ في أحكام الشرع الحنيف وفكرة المطلق والمقيد والعام والخاص وهذه كلّها تعتمد بشكل أساسي على العامل الزمني وتأثيره وتتقوم أصوليًا عليه بنحو ارتكازي.
(الشكل الثالث) التصوير القرأني الحي عن لمحات عنصرية في تاريخ الأمم السابقة من خلال آيات كثيرة وتاريخها وأدوار صراعها في وجه السياسة الربانيّة ومراحل الرفض والإنصياع للمبعوثين بها كل ذلل بأعذب لفظ وأروع بيان وأجمل سرد.
(الشكل الرابع) التفسير الروائي التاريخي الصادر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم وعن عترته المعصومين الميامين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين الذي يشكّل بحد ذاته ثروة طائلة من الإلتفاتات التاريخية وأدوار لوقائع مشهودة لم يكن يقدر لما البروز على مسرح التاريخ الحديث بأبعادها وحقيقتها الناصعة وحجمها الطبيعي لولا توسّطهم عليهم السلام في نقلها عن طريق ماخصهم اللّه عزّ وجلّ به من المعارف اللدنيّة والعلوم الغيبيّة التي تستمد جذورها من لدن ساحة النبوة المقدسة.