ويقول الدردير: «واغتفر غرر يسير إجماعًا للحاجة -أي: للضرورة- كأساس الدار، فإن الدار تشترى من غير معرفة عمقه ولا عرضه ولا متانته، وكإجارتها مشاهرة مع احتمال نقصان الشهور, وكجبة محشوة أو لحاف، والحشو مغيب، وشرب من سقاء ودخول حمام, مع اختلاف الشرب والاستعمال. بشرط لم يقصد, أي: غير مقصود, أي: لم تكن العادة قصد الغرر اليسير, فيخرج بقيد القصد بيع الحيوان بشرط الحمل [1] » .
قال الدسوقي: «فإن الحمل يقصد في البيع عادة, وهو غرر إذ يحتمل حصوله وعدم حصوله، وعلى تقدير حصوله فهل تسلم أمة عند الولادة أو تموت» [2] .
ويقول الهيتمي: «يشترط العلم بالمعقود عليه عينًا في العميني، وقدرًا وصفة فيما في الذمة للنهي عن بيع الغرر. وقد لا يشترط العالم بالمعقود عليه للضرورة أو المسامحة. أي: فيغتفر الجهل, كما في اختلاط حمام البرجين، وكما في بيع الفقاع، وماء السقاء في الكوز» [3] .
ونقل عن النووي قوله: «النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدًّا، ويستثنى من بيع الغرر أمران:
أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعًا, بحيث لو أفرده لم يصح بيعه.
وثانيهما: ما يتسامح بمثله, إما لحقارته, أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه.
ومن جملة ما يدخل تحت هذين الأمرين بيع أساس البناء، واللبن في ضرع الدابة، والحمل في بطنها، والقطن المحشو في الجبة» [4] .
أقول: بحثت عن مصدر هذا النقل في مؤلفات الإمام النووي فوجدته في شرح مسلم لكن بعبارة أوسع. يقول النووي: «وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة ... وقد يحتمل بعض الغرر بيعًا إذا دعت إليه حاجة كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها لبن, فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه, فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها. وكذلك أجمع المسلمون على جواز بيع أشياء فيها غرر حقير. منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة، وإن لم ير حشوها. ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب
(1) وشرط فساد البيع بشرط الحمل أن يقصد استزادة الثمن, أي: يقصد البائع باشتراطه الحمل استزادة الثمن بأن كان مثلها لو كانت غير حامل تباع بأقل مما يبعت به, وهذا يتأتى في الدواب، والأمة الوخش لا في الأمة العلية؛ لأن الحمل لا يوجب زيادة ثمن العلية بل يوجب نقصه. فإن قصد باشتراطه التبري من عيب الحمل جاز في الحمل الظاهر, ويلاحظ أن اشتراط الحمل للتبري هذا لا يتأتى في الدواب, وإنما يتأتى في الإماء؛ لأن البراءة من العيوب إنما تجوز في الرقيق لا في الدواب.
انظر في هذا الشرح الكبير. وحاشية الدسوقي، جـ3، ص60.
(2) حاشية الدسوقي السابق. والحنفية جعلوا ذلك الشرط مفسدًا للعقد. فالكاساني يذكر أن من الشروط خلو العقد عن الشروط الفاسدة, وإن من هذه الشروط: شرط في وجوده غرر. نحو ما إذا اشترى ناقة على أنها حامل؛ لأن المشروط يحتمل الوجود والعدم، ولا يمكن الوقوف عليه للحال؛ لأن عظم البطن والتحرك يحتمل أن يكون لعارض داء أو غيره, فكان في وجوده غرر, فيوجب فساد البيع؛ لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن بيع وغرر, والمنهي عنه فاسد.
وروى الحسن بن زياد, عن أبي حنيفة أن البيع بهذا الشرط جائز؛ لأنها كونها حاملًا بمنزلة شرط كون العبد كاتبًا أو خياطًا ونحو ذلك, فكذا هذا جائز فكذا هذا. بدائع الصنائع، جـ5، ص168.
(3) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني، جـ4، ص250.
(4) فتح الباري، جـ4، ص418. نيل الأوطار، جـ6، ص230.