فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 280

* وقال رحمه الله:

وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب، فالأول أعظم وهو صبر المتقين أولياء الله، قال سهل بن عبد الله التستري: أفعال البر يفعلها والفاجر، ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق، ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا نبيا، وأما من يظلم بغير اختياره ويصبر فهذا كثير، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، وكذلك إذا مكن المظلوم وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له فعفوه عنه من المحاسن والفضائل، لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين، وعقلاء الدنيا، فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرهم وطاعة الناس لهم، وتأليفهم لقلوب الناس، وكان معاوية من أحلم الناس، وكان المأمون حليمًا حتى كان يقول: لو علم الناس محبتي في العفو تقربوا إلي بالذنوب، ولهذا لما قدر على من نازعه في الملك وهو عمه إبراهيم بن المهدي عفا عنه.

وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله، لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه، مع كثرة الدواعي إلى فعل الفاحشة واختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنبا أصلا، بل الهم الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه توبة واستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم وداود ونوح وغيرهم، وإن لم يذكر عن أولئك الأنبياء فاحشة والله الحمد، وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات بالنسبة إلى غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت