فهرس الكتاب
في هذا دليل أن ما توقع المرء حدوثه على وجه غلبة الظن ينزل في الشرع منزلة الوقوع، فالراهب نصح الفتى بتلك النصيحة إن خشي الضرب، ذلك لما تبين أن الضرب قد وقع قبلًا، فكان ما يتوقع مستقبلًا قد جرت العادة قبلًا بحدوثه، فهو متيقن الوقوع أو غالب على الظن وقوعه، ولذلك يعرف مظنة وقوع الشيء بجريان العادة أو بوجود الدلائل والقرائن، وهذا ما قال أهل العلم من مسائل الإكراه، وأن معناه لا يقع إلا بغلبة ظن وقوعه أو ما زاد على ذلك من اليقين، ولهذا خرج موسى من مصر لما توقع الأذى فقال: (( ففرت منكم لما خفتكم ) )وهذا كله من الحزم وحسن التدبير، فإن رد الشيء قبل وقوعه خير من معالجته بعد حدوثه، ولذلك قال الله تعالى لنبيه (( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) )فإن الحازم له بصر بالتوسمات، ولا يجلس حتى يقع به البلاء ثم يعاني دفعه وازالته، ومما حكم الله به حكمًا قدريًا أن يؤمن المتكبرون، ولا ينتفع بالموعظة إلا المؤمنون، فإحسان الظن بالشيطان هو من الجهل والغفلة وقلة العقل وضعف التدبير.