الصفحة 85 من 188

لقد كان من حكمة الراهب في هذا الباب أنه لم يمنعه من العمل، ولا وقف أمامه يعظه أن يستتر استتاره، بل قال له:- (( أنت اليوم أفضل مني ) )،اذ سلكت مسلك المواجهة، ولكن بصره بالعاقبة، ولم يجعل معرفته بالعاقبة سبيلًا للتخويف، ولا لإرجافه حتى يسلك مسلكه بالاستتار والسكون وعدم المواجهة، إنما طلب منه شيئًا خاصًا لنفسه، وذلك لما يعلم من حاله، وهذا من فضل الراهب وعلمه ووضعه الأمور موضعها، وفي هذا هداية لطرق تعامل الناس في مراتبهم، فإن الأدنى لا يعيب على الرفيع مسلكه، ولا من رضي سبيل المواجهة تبارك عمله مخافة أن يلحق بالأدنى الضرر والبلاء، ولا بالمبتلى في سبيل الحق بفعل غيره المجتهد للمعالي بقادح بمن ساق إليه البلاء بغير اختياره، هذا لأن كل هؤلاء لهم حب للدار الآخرة، محتسبين الأجر ولقاء الله تعالى، لكن العافل له بصر بنفسه وقدرته، ولكن له علم وفقه بقدر هذا الدين، فإن فات أحد الأمرين؛ أي ذكرى الدار الآخرة وفقه قدر المهتدين وأئمتهم، فإنه يوقع صاحبهم فيما نراه من جهالات أهل هذا العصر من سبب الفتيان وقذفهم بتهمة عدم الحكمة، ومن تفسير البلاء أنه يقع على معنى جهل السالك بطرق الحكمة في الدعوة والجهاد، وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت