الصفحة 20 من 65

فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلَّف عنه، فاجتبينا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت، قال: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام قد قدم بالطعام يبيعه في المدينة يقول من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له علي؛ حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان الكافر فإذا فيه أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت: لما قرأتها وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور، فسجرته بها أي أحرقت الكتاب في التنور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت