فإلى هؤلاء نُسطّر هذه الأحرف مشفقين فنقول: يا هؤلاء اتقوا ربكم واخشوا عقابه، لقد مضى ثلث الشهر، وما ازددتم من الله إلا بعدًا، فلا تُمنوا على ربكم بصيام مجروح بل مقتول!! فليس صيام المعدة هو ما أراده ربكم فقط، ولكن أراد صيام جوارحكم وألسنتكم عن كل محرم وقبيح فهل تسمعون؟!
أراد منكم التقوى واليقين، أراد منكم تقديم محبته على محبة شهواتكم، أراد منكم أن تكونوا صائمين عن أوساخ الناس، وعن الولوغ في أعراضهم، وصائمين عن كل ما يتفنن الكفار والفساق في عرضه على أنظاركم، وإملائه على مسامعكم؛ ليفتنوكم ويردوكم عن دينكم، فتكونوا في الظلم والبغي والفسق سواء، فهل تسمعون؟.
شهر الصبر
شاء الله -جل وجلاله وتقدَّست أسماؤه- أن يجعل هذه الحياة الدنيا مقرًّا للامتحان والابتلاء، يتصارع فيها الخير والشر والحق والباطل والإيمان والكفر والفضيلة والرذيلة، وجعلها دارًا يشوبها الكدر والعناء والبؤس والنكد والضجيج والصخب والجهد والتعب والهم والحزن، فهذه طبيعة الحياة الدنيا وهذه أوضاعها وملامحها وخصائصها وظروفها، وإزاء هذه الطبيعة المتقلِّبة والأحوال المتضاربة يبحث المؤمن المصدِّق بوعد الله ورسوله عن المنهج الصحيح في التعامل مع تلك الأوضاع المتنافرة، وعن موطئ قدم فوق أرضية ثابتة، فلا يجد خيرًا من الصبر سلاحًا يواجه به ذلك الكم الهائل من المحن والابتلاءات والمواجهات والتحديات، فعند البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال عليه السلام:"وإنه من يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ومن يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر"، وأما الخليفة عمر رضي الله عنه فيقول: وجدنا خير عيشنا بالصبر!