الصفحة 98 من 2918

فكنا قد تحدثنا في المجلس الماضي عن مسألة القلتين اختصارًا ، وبينا أن أصح قولي العلماء-رحمهم الله-: أن العبرة في الماء بالتغير ، فإذا كان الماء طهورًا ووقعت فيه نجاسة نظرنا ، فإن غيرت لون الماء أو طعم الماء أو رائحة الماء حكمنا بتأثره وانتقاله من الطهورية إلى ما غيّره ، وأما إذا لم يتغير أحد أوصاف الماء فهو باقٍ على الطهورية ، وهذه المسألة تكلمنا عليها بتوسع ، وذكرنا فيها الأدلة والنصوص ، والردود والمناقشات والترجيح في شرح"بلوغ المرام"، والحاصل أن حديث القلتين لا يعارض ما رجحناه ، لأن الحديث فيه منطوق ومفهوم ، فمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ القلتين طهورٌ مالم يتغير ، ومفهومه معارض بمنطوق ، فيلغى المفهوم ويبقى على المنطوق والأصل هذا حاصل ما يقال في مسألة القلتين .

المصنف-رحمه الله- رجح مذهب من يقول باعتبار القلتين ، وبناءًا على ذلك قال: [ فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريًا لم يحمل الخبث لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ] ، هذه المسألة الثانية وهي مسألة الماء الجاري أشرنا إليها وبينا أن الماء الجاري فيه قوة ، والنجاسة لا تستقر في جميع الماء الجاري ، وإنما جريانه يؤثر في هذه النجاسة خاصةً وأنه في بعض الأحيان إذا وقعت النجاسة صارت دفعات الماء ترد على النجاسة ، وعند بعض العلماء أن القوة للوارد ، فهي إذا وقعت وصارت تأتي جرية تلو جرية فصارت القوة للوارد ، ومن هنا يكون تأثير النجاسة ضعيفًا خاصة وأن العلماء-رحمهم الله- فرقوا بين الجاري والراكد بتفريق السُّنة ، وذلك أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- منع من البول في الماء الراكد والدائم الذي لا يجري ، فدل على أن الذي يجري أقوى من الراكد والدائم وهذا بتفريق السُّنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت