في سجوده غارقا في ظلمات ذنوبه واثامه ومعاصيه، وفي صفاته الرذيلة كالرياء والتكبر والبخل وحب الدنيا والنساء والاموال، فيتوجه في كل وجوده ومشاعره وحواسه الى الله سبحانه ليخلصه من كل عيب ورين ونقص، فانه بلا شك يذهب غمه على ما مضى من حياته وما بدر منه من المآثم التي منعته من الرقي والتكامل والوصول الى الحق والفناء لله سبحانه، والكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر ليسقيه ربه شرابا طهورا، كما ينجيه من همه للمستقبل المجهول والدهر الخوان الذي لا يدري ما خبأ له (66) .
وفي قوله تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ... } ومن الاشارة فيها ما قيل: أي اني كنت من الظالمين لنفسي بالمبادرة الى المهاجرة، وبتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله"عز وجل"، وقال"جل جلاله": {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين َلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (67) (68) . وفي الخصال عن الامام الصادق"عليه السلام": عجبت لمن يفزع من اربع، كيف لا يفزع الى اربع الى قوله: عجبت لمن اغتم كيف لا يفزع الى قوله تعالى: لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاني سمعت الله يقول بعقبها فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} (69)
وهذا الذكر اليونسي ينبغي ان ينسجم بكل وجوده مع تلك الالفاظ حين قراءتها، ويلزم التذكير بهذه المسألة، وهي ان العقوبات الالهية على نحوين:
اولا -عذاب الاستئصال أي: العقوبة النهائية التي تحل لمحو الافراد الذين لا يمكن اصلاحهم، حين اذ لا ينفعهم أي دعاء، لان اعمالهم ذاتها ستكرر بعد هدوء عاصفة البلاد
ثانيا- عذاب التنبيه، والذي له صفة تربوية، فهو يرتفع مباشرة، وذلك بمجرد ان يؤثر اثره، ويتنبه الخطا، ويثوب الى رشده ومنها يتضح ان احداث فلسفات الافات والابتلاءات والحوادث المرة هي التوعية والتربية.
ان حادثة يونس"عيه السلام"تحدر بصورة ضمنية جميع قادة الحق والمرشدين اليه بالسبل المختلفة بان لا يتصوروا انتهاء مهمتهم مطلقا، ولا يستصغروا أي جهد وسعي في هذا الطريق، لان مسؤوليتهم ثقيلة جدا (70) ولا يخفى كما عند ارباب السير والسلوك ان من يقول الذكر اليونسي عليه ان يتمّه، فلا يكتفي بقوله {لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين} ، بل يكمل ذلك بقوله {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} ، فان الاكتفاء بالقسم الاول يوجب الهم والغم، والفرق بين الهم والغم، ان الهم باعتبار ما مضى، والدهر باعتبار المستقبل، فان الدهر خوان، ولا تدري ما يضم لك الدهر الخوان.
ثم الذكر اليونسي ربما يتلى باعداد خاصة ولحوائج مختلفة، كما يعرفها اهله من اصحاب السير والسلوك (71) .
الخاتمة
بعد هذه الجولة المباركة في الدعاء اليونسي يمكن إن نستخلص منها ما يلي:-
1.إن الدعاء له أثر عظيم في حياة العظماء الافذاء ومنهم ذو النون"عليه السلام"ومن وفق للدعاء اعطي الاجابة.
2.دعوة ذي النون"عليه السلام"دليل على ان المؤمن يلجا الى الله"عز وجل"في ساعة الكرب والشدة.
3.ان المؤمن اذا ادى ما اوجب الله سبحانه وتعالى لا بد ان الله"عز وجل"يفرج عنه ظلمات الدنيا اذا ما وقع في ضائقة مالية او حالة صحية حرجة، وذلك بفضل ايمانه وطاعته.