وتذليل الدعاء بـ (كذلك) من الانجاء الذي انجي به يونس"عليه السلام"،أي مثل ذلك الانجاء ننجي المؤمنين من هموم يحسب من يقع فيها ان نجاته عسيرة، وفي هذا تعريض للمشركين من العرب بان الله منجي المؤمنين من الغم والنكد الذي يلاقونه لسوء معاملة المشركين اياهم في بلادهم (62) .
المبحث السادس //من الاشارات في الدعاء اليونسي
يشير الدعاء اليونسي الى ان ما اصاب النبي يونس"عليه السلام"من البلاء والنجاة منه لم يكن حكما خاصًا، بل هو حكم العام في حفظ تسلسل الدرجات والمراتب.
ان الكثير من الحوادث المؤلمة والابتلاءات الشديدة والمصائب نتيجة لذنوبنا ومعاصينا، وهي سياط لتنبيه الارواح الغافلة، وهي مواقد لتصفية معادن ارواح الادميين، فمتى ما تنبه الانسان الى ترك الامور الثلاثة فانه سينجو حتما، والامور هي:-
1ـ التوجه الى حقيقة التوحيد وانه لا معبود ولا سند الا الله.
2ـ تنزيه الله تعالى من كل عيب وظلم وجور، وتجنب كل سوء ظن بذاته المقدسة.
3ـ اعتراف الانسان بذنبه وتقصيره، فليس المراد قراءة الالفاظ والكلمات فقط بل جريان حقيقتها في اعماق الروح الانسانية، أي ينسجم كل وجوده مع الالفاظ حين قراءتها (63) .
وذكر اهل العرفان في تفسير"لا اله الا الله"وجوها:
1 -قال ابن عباس"رضي الله عنهما": لا نافع ولا ضار ولا معز ولا مذل ولا معطي الا الله.
2 -قول"لا اله الا الله"اشارة الى المعرفة والتوحيد بلسان الحمد والتشديد الى الملك المجيد، فاذا قال العبد: لا اله الا الله فالمعنى لا اله له الآلاء والنعماء والقدرة والبقاء والعظمة والسناء والعز والثناء والسخط والرضا الا رب العالمين وخالق الاولين والاخرين وديّان يوم الدين، وعقول الخلق قاصرة عن معرفة الله تعالى، وقد روي عن ذي النون المصري، حينما سئل عن التوحيد. فقال او لم تعلم ان قدرة الله تعالى في الاشياء بلا مزاج وصنعه الاشياء بلا علاج، علة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه، ومهما تصور في نفسك شيء فالله بخلافه (64) .
فكل مؤمن يذكر الذكر اليونسي ينجو من همه وغمه الا انه لا بد ان يتجسد الذكر في وجوده، ويكون له حال يونس"عليه السلام"وروحانيته ويتفائل مع الذكر، ولا يكون مجرد لقلقة لسان، فان ذلك لا يؤثر ولا يوجب السير المعنوي والوصول الى المراحل الاخرى، والمراتب العليا فلا بد من تجلي الذكر في الوجود والروح، فالذكر اليونسي يشتمل على مقاطع اساسية، لا بد من الالتفات اليها، وتمثلها في وجوه الذاكر:
1.التوحيد الكامل المتكون في الرفض والاثبات، رفض الالهة جميعها لاسيما اله هواه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (65) ، ثم الاقرار بالله عقلا وروحا وعملا وقلبا جوانحًا وجوارحًا.
2.حسن الحضور بين يدي الله"عز وجل"وانه في حضرته وبعينه التي لا تأخذها سنة ولا نوم، فان يونس"عليه السلام"لم يقل: لا اله الا الله، بل قال: لا اله الا انت بالخطاب والحضور بانه كان يرى الله سبحانه ويخاطبه بكلمة انت، وكذلك كاف الخطاب في كلمة"سبحانك".
3.تنزيه الله تعالى من كل نقص وعيب وظلم وقبيح بقوله"سبحانك"فان التسبيح بمعنى التنزيه.
4.ولما كان الله منزها من كل شين ونقص وظلم، فما صدر من الخطا والعيب انما هو مني فيعترف الانسان بعيبه وخطأه والاعتراف بالخطا فضيلة.
5.الاعتراف بالذنب"اني كنت من الظالمين"فان الله يحب الاعتراف بالذنب، وان انين المذنبين احب اليه من تسبيح المسبحين.
6.الاعتراف والعلم بان الذنب من الظلم بالنفس"اني كنت من الظالمين"فمن يذنب انما يظلم نفسه اولًا.
7.لم يقل يونس (عليه السلام) سبحانك كنت ظالما، بل قال كنت من الظالمين، وهذا يعني الندم على ما فعل والتوبة من الذنب حيث يرى نفسه كان من قبل من الظالمين، فلا يريد ان يكون ظالما.
8.كأنما يونس (عليه السلام) يفكر في الناس، ففي مقام العفو والتوبة لم يذكر نفسة فقط، بانه كان ظالما، بل اشار الى الاخرين"اني كنت من الظالمين"، فمتى يحصل على مثل هذه المعاني والمفاهيم في وجوده، ويتفاعل بها، ويرى ظلمه وذنبه حاضرا بين يدي الله المنزه من كل عيب وظلم، ويبكي