والمقحمات التي تقحم صاحبها في النار، فانها تقصر العمر وتقلل الرزق.
2 -لما اراد يونس"عليه السلام"السؤال والدعاء، قدم ذكر التوحيد والعدل، فقال: (لا اله الا انت ) (49) وفي قوله تعالى .. {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ} ان الانبياء معصومون، ولكنهم يشعرون امام عظمة الله سبحانه بالذنب والتقصير، وحتى عبادتهم لايعتبرونها عبادة لفرط ايمانهم بالله، وتجلي نورالله في افئدتهم، ويعتبرون عبادتهم نوعًا من التقصير بحق الله، لانها بالتالي عبادات بشر ضعفاء عاجزين، لذالك يقول (سبحانك) انت النزيه المقدس، اما نحن فبشر نتصف بالجهل والنقص والعجز، وقوله تعالى: {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} لاني بشر، وانا شخصيا اتحمل مسؤولية خطئي ولا احمله ربي او الاقدار (50) .
3 -وفي قوله تعالى: {لا اله الا انت} ليعلم انه تعالى ذكر كلمة (لا اله الا الله) في القران الكريم في سبع وثلاثين موضعا، وهي سورة البقرة (163، 255) وفي سورة ال عمران الايات (2،6،18) ، النساء (اية 87) ، الانعام الايتان (102،106) ، الاعراف (ايه 158) ، التوبة (31،129) ، يونس (اية 90) ، هود (اية 14) ، الرعد (اية30) ، النحل (اية 2) ، طه الايات (8،14،98) ، الانبياء الايات (25،87) ،المؤمنون الاية (116) ، النمل (26) ، القصص (70 - 88) ، فاطر (3) ، الصافات (35) ، الزمر (6) ، المؤمن (غافر) (3،62،65) ، الدخان (8) ، محمد (19) ، الحشر (22،23) التغابن (13) المزمل (9) ، فهذه مجموع سبعة وثلاثين من كلمات لا اله الا الله وردت في القران الكريم (51) ، قيل: اذا كان اخر الزمان فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل (لا اله الا الله) لان صلاتهم وصيامهم يشوبهما الرياء والسمعة، وصدقاتهم يشوبهما الحرام، ولا الاخلاص في شيء منها، واما كلمة (لا اله الا الله) فهي ذكر الله، والمؤمن لايذكرها الا عن صميم القلب والاحاديث في فضل (لا اله الا الله) لا حصر لها ولا عد، فهي اس الدين (52) .
4 -وقوله تعالى .. {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فيه انني ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير اذنك، كأنه قال .. كنت من الظالمين وانا من التائبين النادمين، فاكشف عني المحنة، فقد وصف ربه (جل جلالة) بكمال الربوبية وصفة نفسه بقوله .. إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، بضعف البشرية والقصور في اداء حق الربوبية (53) وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي كلام عندها وخطاب (54)
وقوله تعالى: (فاستجبنا له) أي: دعاؤه الذي دعاه في ضمن الاعتراف واظهار التوبة على الطف وجه واحسنه، حتى قال بعض اهل العلم: ان ذلك اسم الله الاعظم، قال الالوسي في تفسيره: (وقد شاهدت اثر الدعاء به، ولله تعالى الحمد، حين امرني من اظن ولايته من الغرباء المجاورين في حضرت الباز الاشهب، وكان قد اصابني من البلاء ما الله اعلم به، وفي شرحه طول وانت ملول) (55)
وقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} قد تقدم معنى الغم في مبحث معاني الالفاظ (56) ، ويمكن القول هنا ان هناك فرقا بين الهم والغم، فذكر ابو هلال العسكري ان الهم هو الفكر في ازالة المكروه واجتلاب المحبوب، وليس هو من الغم في الشيء، الا ترى انك تقول لصاحبك اهتم في حاجتي، ولا يصح ان تقول اغتم بها، والغم معناه ينقبض القلب معه، ويكون لوقوع ضرر قد كان او توقع ضرر او يتوهمه، وقد سمي حزن الذي تطول مدته حتى يذيب البدن هما، واشتق الهم من قولهم: انهمّ الشحم اذا ذاب وهمه اذا اذابه (57) ، وقيل ان الغم ما لا يقدر الانسان على ازالته كموت المحبوب، والهم مما يقدر على ازالته كالافلاس مثلا، ويؤيده قوله تعالى في وصف اهل النار: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} (58) ، فان الكفار لم يكونوا قادرين على ازالة ما بهم من عذاب (59)
والفرق بين الهم والغم والحزن هو ان الهم قبل نزول الامر ويطرد النوم والغم بعد نزول الامر ويجلب النوم والحزن الأسى على ما فات وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم (60) .
وفي قوله تعالى: {وكذلك ننجي} ان كلمة (ننجي المؤمنين) تعطينا الامل باننا مهما فرطنا في جنب الله، فان باب الاستغفار مفتوح امامنا، ورحمة الله قابلة لان تسعنا فلا داعي للياس والقنوط (61) .