فهرس الكتاب
بالزور لموافقيهم"."
وقال قوم: تقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إذا كان داعية. وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء. وحكى بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه خلافًا بين أصحابه في قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته، وقال: أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته.
وقال أبو حاتم بن حبان البُستي أحد المصنفين من أئمة الحديث:"الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبةً، لا أعلم بينهم فيه خلافًا".
وهذا المذهب الثالث أعْدَلُها وأوْلاها، والأول بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة. وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول. والله أعلم" [1] ."
فالتفريق بين الداعية وغير الداعية هو قول الأكثر كما تقدم؛ بل نقل ابن حبان الإجماع على هذا القول، وإن كانت دعوى الإجماع غير صحيحة.
وممن نقل عنه هذا القول عبد الله بن المبارك رحمه الله، على ما روى الخطيب بسنده إلى علي بن الحسن بن شقيق قال:"قلت لعبد الله بن المبارك: سمعت من عمرو بن عبيد؟ فقال بيده هكذا، أي كثرة، قلت: فلم لا تسميه وأنت تسمي غيره من القدرية؟ قال: لأن هذا كان رأسًا" [2] .
وهذا القول يروى عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، فقد روى الخطيب عنه أنه قال:"من رأى رأيًا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا ودعا إليه فقد استحق الترك" [3] . وروى البيهقي عنه أنه قال:"يكتب العلم عن أصحاب الأهواء وتجوز شهادتهم ما لم يدعوا، فإذا دعوا إليه لم يكتب عنهم، ولم تجز شهادتهم" [4] .
(1) علوم الحديث (ص:103 - 104) .
(2) الكفاية (ص:127) .
(3) الكفاية (ص:126، 127) .
(4) السنن الكبرى (10/ 208) .