فهرس الكتاب
تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم" [1] ."
فيجب التفريق بين الكفر والكافر .. فليس كل من تلبس بالكفر وقع الكفر عليه، وكذا ليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه. فالتكفير العام لا يلزم منه تكفير المعين، والتبديع العام لا يلزم منه تبديع المعين، قال شيخ الإسلام رحمه الله:
"وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها" [2] .
وقال رحمه الله أيضًا:
"وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم، ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم، حتى إنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: أن القرآن مخلوق، وغير ذلك، ولا يولون متوليًا ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله ترحم عليهم، واستغفر لهم؛ لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك. وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء، والصلاة خلفهم" [3] .
ويجمع لنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ضوابط عدم الحكم بتكفير المتأول في الدين
(1) مجموع الفتاوى (3/ 352 - 354) .
(2) المصدر السابق (23/ 345) .
(3) مجموع الفتاوى (23/ 348 - 349) .