فهرس الكتاب
بل ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قد يأتي من أفراد المخالفين ما يكون له اعتبار في نفسه في الجملة، فيشهد لهم بهذا الخير، ويعترف لهم بهذا الفضل، يقول شيخ الإسلام رحمه الله:
"وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا" [1] .
بل ويفصل رحمه الله القول فيمن يتخذ من طرائقه البدعية مسلكًا للاستدلال على مسائل الشرع فيقول:
"وهذه الأمور يُسلمُ بسببها ناس، ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من أصحابها، فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه، كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس، قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرًا مما كانوا، وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم) [2] ، وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي، فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل، وتقوى بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه" [3] .
واعجب معي من فطنة وذكاء وزكاء شيخ الإسلام وهو يقرر قاعدته السابقة بذكر مثال يقرب الأفهام، فيقول رحمه الله في عبد الله بن سعيد بن كلاب [4] في تصديه للمعطلة:
"وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل"
(1) الفتاوى (13/ 96) .
(2) سنن النسائي الكبرى (5/ 278) ، صحيح ابن حبان (10/ 376) ، سنن الدارمي (2/ 314) .
(3) الفتاوى (13/ 95) .
(4) عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري، أبو محمد، أحد رؤوس المتكلمين، مؤسس فرقة الكلابية، وهي فرقة كلامية، توفي بعد سنة (240) هـ.