فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 205

فإنهم كانوا -حيث لقوا- مطرودين من كل جهة، محجوبين عن كل لسان، مبعدين عند كل مسلم، ثم مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديًا على ضلالهم، ومداومة على ما هم عليه، (( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) ) [المائدة:41] " [1] ."

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الخوارج: ( ... يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه) [2] .

وأما القسم الثاني فلا يكون كذلك، فهذا تكون توبته قريبة [3] .

5)أن المبتدع يرى أن بدعته هذه دين، ويحسب أنه على هدى، ويظن أن رجوعه عن هذه البدعة هو رجوع عن الحق والدين، ولهذا قل أن يتوب منها، بخلاف صاحب المعصية الذي يعلم أنه على خطأ ومعصية، وأن فعله هذا مخالف للدين، فرجوعه وتوبته أقرب.

وكما قرر شيخ الإسلام رحمه الله أن أول التوبة هو العلم بأن الفعل سيئ، وهذا ما لا يدركه المخالف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه:"... قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيئ في نفس الأمر؛ فإنه لا يتوب."

ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق، كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال

(1) الاعتصام (2/ 778 - 779) .

(2) البخاري (6/ 2748) (7123) .

(3) انظر: الاعتصام (2/ 782 - 784) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت