فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 33

ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية، فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلًا وجبلًا خماصًا، فتأكل من على رؤوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطانًا، فتصب فيها شرابًا مختلفًا ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية، أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادرًا، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه ليطوف المروج والبساتين والرياض ساعة بالنهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية، يذهب حتى يحط رحاله على رؤوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصًا طويلة ويضع عليها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائدًا إلى الخلية، تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعثوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتًا بيتًا وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين فتخرج طيورًا صغارًا، نحلًا صغارًا بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله، كل هذا من ثمرة الوحي الإلهي، تبارك الله وجل الله أعظم ما فاهت به الأفواه، سبحان من ذلت له الأشراف، أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف، جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت