الصفحة 100 من 112

والتحليل والتحريم.

والإيمان بالآخرة وهو أصل كل السمعيات ليس هو في مذهب أهل السنة سمعيًا فقط بل إن الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية كما إن الفطر السليمة تشهد به فهو حقيقة مركوزة في أذهان البشر ما لم يجرفهم عنها جارف. لكن لو أن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته - فرضًا وجدلًا - فحكمه مردود وليس إيماننا به متوقفًا على حكم العقل. وغاية الأمر أن العقل قد يعجز عن تصوره إما أن يحكم العقل باستحالته فغير وارد ولله الحمد [1] .

الثالث عشر: التكفير:

التكفير عند أهل السنة والجماعة حق لله تعالى لا يُطلق إلا على من يستحقه شرعًا ولا تردده على إطلاقه على ثبت كفره بشروطه الشرعية.

أما الأشاعرة فهم مضطربون اضطرابًا كبيرًا فتارة يقولون نحن لا نكفّر أحدًا، وتارة يقولون نحن لا نكفّر إلا من كفّرنا وتارة يكفرون بأمور لا تستوجب أكثر التفسيق أو التبديع وتارة يكفرون بأمور لا تُوجب مجرد التفسيق وتارة يكفّرون بأمور هي نفسها شرعية، ويجب على مسلم أن يعتقدها.

فأما قولهم لا نكفّر أحدًا فباطل قطعًا إذ في المنتسبين إلى الإسلام فضلًا عن غيرهم كفار لا شك في كفرهم، وأما قولهم لا نكفّر إلا من كفّرنا فباطل كذلك، إذ ليس تكفير أحد لنا بمسوغ أن نكفّره إلا إذا كان يستحق ذلك شرعًا.

وأما تكفير من لا يستحق سوى التبديع فمثل تصريحهم في أغلب كتبهم بتكفير من قال إن الله جسم لا كالأجسام، وهذا ليس بكافر بل هو ضال مبتدع لأنه أتى بلفظ لم يرد به الشرع، والأشاعرة تستعمل ما هو مثله وشر منه. وأما تكفير من لا يستحق حتى مجرد الفسق أو المعصية فكما مر في الفقرة السابعة من تكفيرهم من قال إن النار علة الإحراق والطعام علة الشبع.

وأما التكفير بما هو حق في نفسه يجب اعتقاده فنحو تكفيرهم لمن يثبت علو الله ومن لم يؤمن بالله على طريقة أهل الكلام وكقولهم إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر، كقولهم أن عبادة الأصنام فرع من مذهب المشبهة ويعنون بهم أهل السنة والجماعة.

ومن شواهد تكفير بعضهم قديمًا وحديثًا لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وحسبك ما في

(1) انظر: الإرشاد: 358، الإنصاف 55، شرح الإصفهانية 49، النبوات 48، وانظر الجزء الثاني من مجموع الفتاوى 7 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت