فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 457

ويتحدث ابن خلدون أيضا- بصدد مناقشته لفكرة المدينة والعمران - عن البيئة بمناخها وتربتها وظروفها، وأثر كل هذا في تكوين شخصية ومزاج ولون بشرة ساكنيها، وكذا كثافة التمركز السكاني [1] .

إذن ومن هذا المنظور واستنتاجا مما سبق، يكون ابن خلدون قد تناول فكرة تكوّن الدولة وبضمنها المدينة، على أساس حضاري عمراني؛ منطلِقا في ذلك، من واقع استقرائي مدعم بعقل تجريبي ماديّ، مبني على الملاحظة والتجريب والمرحلية، فكان بهذا فكره فكرا عقلانيا معرفيا ماديا وواقعيا، وهوبهذا يتميز عمن سبقه من الفلاسفة الذين تناولوا هذه الظاهرة، أمثال: أفلاطون وأرسطووالفارابي وابن سينا؛ لكونهم حاملين لأفكار طوباوية ومُثل وهمية حلمية يصعب تجسيدها وتطبيقها على أرض الواقع ؛ فهم قد انطلقوا في أفكارهم ورؤاهم من سماء الحلم والوهم لا من أرض الواقع ."فلا استقراء ولا تحليل ولا معايشة" [2] .

أما ابن خلدون، فكان في نظرته على النقيض من ذلك تماما؛ لكونه انطلق من الواقع لا من الخيال، ومن الحقيقة لا من الوهم . ومن الأرض لا من السماء، وإن كان هو الآخر يراوده نفس الأمل الذي راودهم، ويلح عليه الهاجس نفسه الذي رأيناه عندهم؛ وهو تحقيق"المدينة" (الإلهية التيوقراطية) ذات (السلطات المجتمعة) حيث يضمحل داخل ذات الفرد تضارب الخاص والعام" [3] . ولكن بصيغة أو نظرة مغايرة لهم ؛ فهم كانوا يريدون تحقيق الأمل - المثال، وهوكان يريد تحقيق الواقع - المثال."

(1) 2 - ينظر: أ/ خليل شرف الدين، ابن خلدون، ص 64،65 .

(2) - أ/ خليل شرف الدين، ابن خلدون، ص 131.

(3) - م:س، ص 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت