فهرس الكتاب
ثم تليها في الأخير التجارة، ويقصرها ابن خلدون على أهل الحضر فقط، مجرِّدا أهل البدو أوالمدر منها، فـ"التجارة ليست من شأنهم ولا هي من طبيعة حياتهم" [1] . وللتجارة عنده وجوه وأساليب عدة منها: المبادلة، والعرض والاحتكار، وهي كلها من نتاج المدينة، وحكرا على أهل الحضر؛ لاحتياجها إلى علم ونظر ودهاء ومهارة في تسييرها وإدارتها، فالتاجر"مدفوع في مزاولة البيع والشراء وجني الأرباح إلى المكايسة والمماحكة والتحذلق واللجاج" [2] وهي صفات من شأنها أن تنحرف بالنفس عن فطرتها السليمة جريا وراء الربح والظمأ إلى المزيد من الترف، فتتعقد الحياة، وتزداد الحاجيات، وتعظم النفقات، ويبرز الاحتكار وترتفع الأسعار، فتذهب تلك المكاسب المحققة من الربح في هذه المبالغة في الإنفاق، فيعم الفقر وتتكدس السلع، وتكسد السواق، ويفسد حال المدينة نتيجة فساد أخلاق أهلها، لاضطرارهم إلى الكذب والنفاق والرياء والتلون بشتى ألوان الشر، تحت دافع الحاجة ومن أجل تحصيل الرزق والمعاش. فينتشر التحايل والفسق والجور، ويستشري الفساد والغش والمقامرة والربا والسرقة والفجور، فتتهاوى الحضارة وتسقط، لتبدأ دورة حياتها من جديد: بداوة فعصبية، وتكوّن فحضارة وازدهار، فسقوط من جديد، وهكذا دواليك، وعلى هذا الأساس تكون الحضارة - في منظور ابن خلدون - قد أفادت العقل وأفسدت الخلق.
ويمكن تصور مراحل نشوء المدينة وتطوّرها، ومن ثمّ سقوطها وانهيارها وعودتها إلى البداية من جديد على الشكل التالي:
... ... ذروة
مراحل تطوراجتماع اقتصاد تمكن سياسي رفاهية
لجاج و تقاتل دكتاتورية تعقد و فساد فقر انهيار
(استبداد)
سقوط و عودة إلى البداية من جديد
(1) 6 - م.ن، الهامش، ص 72 (أبوسفيان، النبي قبل البعثة كانا تاجرين لأنهما كانا في الحضر وليس في المدر) .
(2) 1 -م:ن،ص74.