فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 457

ثم يتطرق بعد هذا، إلى أنواع وجوه المعاش ومصادره في كل من البادية والمدينة ؛ محتزلا إياها في الفلاحة والاصطياد والصناعة والتجارة، بحسب الترتيب الزمني لظهور كل منها. فيرى بأنّ الفلاحة بشقَيْها: الزراعة وتربية الحيوان، أسبق في الظهور من كل وجوه المعاش الأخرى، وهي لذلك ألصق بحياة البداوة لكونها بسيطة فطرية لا تحتاج إلى علم وفكر ونظر، فيقول:"تنسب الفلاحة في الخليقة إلى آدم أبي البشر [1] وأنه معلمها والقائم عليها" [2] .ثم تليها في مرحلة متقدمة نسبيا نحو التحضر، الصناعة، لصفتها المركبة ولكونها حصيلة علم وفكر ونظر واستقرار. ولهذا فمن"البديهي أن يتأخر المُرَكّب عن البسيط، والعلمي عن الفطري" [3] ؛ ولذلك فالصناعة لا تظهر إلا في الحضر"الذي هو متأخر عن البدوثان له" [4] ، لأن"الصنائع إنما تستجاد إذا احتيج إليها وكثر طالبها" [5] . وإزدهار الصناعة أو تقهقرها يتناسب طرديا مع ازدهار الحضارة أو انهيارها ؛ فإذا ما"ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاص عمرانه وقلة سكانه تناقص فيه الترف ...فتقل الصنائع التي كانت توابع"

الترف"5. فقوة الدولة ومتعتها وكثرة ساكنيها متوقفة إذن - بحسب هذا المنظور - على كثرة ثروتها ويسر سبل الترف فيها."

(1) - ربما يستند في هذا على حديث الرسول (ص) القائل فيما معناه: عليكم بالزراعة فإنها حرفة أبيكم آدم.

(2) - أ/ خليل شرف الدين: ابن خلدون، دار ومكتبة الهلال، د ط، ص 70.

(3) - العبارة لابن خلدون، مأخوذة من: أ/خليل شرف الدين، ابن خلدون، ص71.

(4) - م. ن،ص.ن.

(5) -5 - العبارتان لابن خلدون وهما مأخوذتان من ا/ خليل:م:ن،ص71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت