فهرس الكتاب
وعلى هذا الأساس فهويرى أنّ البداوة اتجاهُُ نحوالقوة، والحضارة تفسّخ واتجاه نحوالضعف؛ لأنها بترفها ودعتها تفضي إلى انهيار الدولة والمجتمع. فأهل البداوة أقرب إلى الشجاعة وأقدر على تحمل المسؤولية، بينما أهل الحضر يعيشون آمنين في دعة وراحة وكسل. اطمأنوا إلى حماية جنودهم وأسوارهم لهم فالقوا السلاح وتنصلوا من كل مسؤولية، وطال أمر هذه الحال وتوالت جيلا بعد جيل حتى غدت فيهم بمثابة الخلق أو الطبيعة المتأصلة في النفوس...
وهو بعدئذ يرى بأن أهل البدو أقرب إلى الخير وفضائل الأخلاق من أهل الحضر، فهم لا يقبلون على ملذات الدنيا وترفها، إلاّ بالمقدار الذي يحفظ عليهم حياتهم، فضلا عن عدم توافر ما يمكن أن ييسّر لهم سبل الترف واللهو والانغماس في الملذات. أما أهل الحضر، فهم لشدة ما يعانون من ضروب الترف والملذات، ولقوة انغماسهم في الشهوات وعكوفهم عليها، وبفضل ما توافر لهم منها، فإنهم أبعد الناس عن الخير، وأبعدهم عن الحشمة والحياء، فنفوسهم ملونة بالشر، يغلب عليها طابع الرياء والزيف والمخاتلة والمخادعة وغيرها... وبالمقابل، فهؤلاء أكثر ذكاء وأكثر فطنة ودهاء من أهل البدو؛ بسبب حاجتهم إلى ذلك، وبسبب الاختلاط والمثافقة والاحتكاك الدائم، وبسبب إجادة الصنائع والآداب التي لم يُقيّض للبدوي أن عرفها أو خبرها، لعدم حاجته الملحة إليها، ولعدم استقراره، الأمر الذي ولّد في نفس الحضري شعورا بالتعالي والتسامي اتجاه البدوي معتقدا أنه ارفع منه عقلا وأسمى إنسانية، وأن البدوي مغفّل قاصر بفطرته. ويفنّد ابن خلدون هذا الشعور مبيّنا أنّ امتياز الحضري عن البدوي هو في حظه من التعليم ليس إلاّ.