فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 457

وهوبعد يرى بأن عظمة الدولة وقوة شوكتها، إنما تكون بكثرة العدد ووفوره فيها؛ أي بكمية الأعوان والحلفاء والأقربين دون أن يركز على النوعية والكيفية أو أنه يجعلها أمرا ثانويا وعاملا مساعدا ليس إلا، والدولة الغنية القوية في عرفه هي الدولة الواسعة الأرجاء الممتدة الأقاليم، الكثيرة السكان، وحتى النموالحضاري عنده يكون بكثرة"الفعلة والسكان"كما يعبر.

وبصدد حديثه عن انتقال الزعامة البدوية إلى الملك الحضري لا يصر على عامل العصبية في نموالدولة وتطورها، بل يركز في هذا الأمر على عامل آخر هو العامل الاقتصادي؛ لأن العصبية إنما ينحصر دورها في طور التكوين فقط، فالدولة تقوم في أو ل أمرها وتتكون بالعصبية، ثم تتغير بنيتها الاجتماعية بعد جيل من تكونها لتدلف نحوالحضارة، فينقلب أفرادها من بدوإلى حضر، أي من أناس يقتصرون على الضروري من العيش في أسلوب حياتهم ويكتفون به نظرا لتعودهم عليه أو لعدم معرفتهم بسبل الترف وكثرة الإنفاق، إلى أناس متحضرين، عارفين بهذه السبل مطلعين عليها من خلال الاختلاط والمحاكاة والتطبيق، فأصبحوا لا يقتصرون على الضروري في عيشهم، ولا يكتفون بتلك العادات القديمة، بل واكثر من ذلك، اصبحوا يمجّونها ويزدرونها، وغدت الكماليات مطلوبة مرغوبة، مُتنَافَسا عليها، مبالغا في اقتنائها؛ يقول ابن خلدون:"ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه، دعاهم إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر" [1] ، ويكون هذا في الأخير سببا في انهيارها، بعدما كان قبلئذ سببًا في ازدهارها.

(1) - الأستاذ خليل شرف الدين، ابن خلدون، منشورات دار مكتبة الهلال، د.ط، ص 20، عن المقدمة لابن خلدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت