فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 457

فنشوء المجتمعات ونموّها ثم سقوطها، كنشوء الكائن العضوي، أو بالأحرى كنشوء الإنسان (ولادة فطفولة فشباب فكهولة، فشيخوخة، فموت) .ولما كان المجتمع عبارة عن مستغِلّ ومستغَل، ظالم ومظلوم، معتد ومعتدى عليه- لكون النّفوس مجبولة على ذلك [1] - فقد استنتج حقيقة مؤداها أن التفاوت في القدرات واللاّ تكافؤ هو نسيج العلاقات ولحمتها وسداها، سواء أكان ذلك في الطبيعة أو المجتمع، ولا سبيل إلى السيطرة على هذا التفاوت واللا تكافؤ؛ لأنه تجسيد لقانون طبيعي حتمي وضروري للتطور. وبهذا يكون - حسب رأينا- قد عطل الإرادة الإنسانية كلية وحد من حريتها إزاء هذا التفاوت ودورتيه: النشوء والسقوط، وجعلهما ضربة لازب أو قدرا نازلا عليها؛ بحيث لا تمتلك معهما القدرة على تغيير مسارهما أو على الأقل تأخير حدوثهما [2] .

(1) - يعارضه حديث الرسول (ص) القائل:"يولد المولود على الفطرة وأبواه يمجّسانه أو ينصّرانه..."فالحديث الشريف يقر بخيرية الإنسان وسلامة فطرته؛ والفطرة يقصد بها الإسلام. والمجتمع المتمثل في الأبوين هو الذي يفسد نفس هذا الطفل وكذلك يعارض الكاتب الفرنسي روسوهذا الرأي فيقول إنّ الإنسان يولد خيرا ولكن المجتمع هو الذي يفسده.

(2) - ولكن ابن خلدون يعود ويتراجع عن مطلقية هذا القانون ليقر بنسبيته، فيرى بان هناك دول امتدت أعمارها آلاف السنين كملك القبط واليونان والرومان ثم ملك الإسلام وحضارة اليمن منذ عهد العمالقة والتتابعه ودول النمط والفرس وغيرها . أنظر المقدمة ص 310 ؛ يقر بهذا الرأي بعدما يتخلص من كابوس الشمال الإفريقي المرعب وتشتته وانهياره، وينفتح فكره على حضارات أخرى؛ يرى وبأنها وإن كانت محكومة بقانون الضرورة ومبدأ هذه الدورية، إلا أنها قادرة على الانبعاث والحياة والازدهار من جديد بعد سقوطها، أو على الأقل تستطيع تأخير موتها وانهيارها ولو إلى حين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت