فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 457

إذا ما أردنا تتبع تطور فكرة المدينة حديثا، فانه يمكننا اعتبار هذا العصر، العصر الذي طغى عليه موضوع المدينة، واحتل مساحة كبرى في جسده، بحيث أصبح يلعب دورا رئيسيا في كل المجالات. ومنها الشعر وبصفة خاصة في النصف الثاني من القرن الماضي (التاسع عشر الميلادي) والقرن الذي نعيشه، وخير من يمثل ذلك على مستوى الشعر زمرة من الأدباء أمثال: بودلير، وويتمان وفيرهاردن، وت.س اليوت ... أما على مستوى النقد، فإّن بروزها، أو بالأحرى الاهتمام بها، لم يحدث إلا في العقود المتأخرة من هذا القرن، بحيث أصبح الاهتمام بها الآن من لدن العالم المتقدم جزءا لا يتجزأ من الاهتمام بالمكان الحضري ومحتوياته المعقدة، وما تفرضه هذه الأخيرة من أسئلة وإشكالات متعددة، غير معهودة، ذات صبغة حداثية. تتصل كلها من قريب أو بعيد، بكيفية تطور المجتمع، ومدى ملاءمته للإنسانية، وبالتطوّر المذهل للآلية الصناعية، والخطوات التكنولوجية العملاقة، ومدى ما حققته للإنسان من راحة وأمن وسلم أو تعب وخوف وتهديد...

فسيطرة ظاهرة المدينة على الأدب الغربي كانت جد واضحة، الأمر الذي حدا بجون.هـ .جونسون لأن يخصص كتابا كاملا لرصدها، تحت عنوان (الشاعر والمدينة) (The poet and the city) . وعلى الرغم من انه اقتصر في رصده هذا على الأدبين الأمريكي والإنجليزي فقط، إلا انه ألفى نفسه بإزاء مادة جد غزيرة من الشعر، الأمر الذي فرض عليه اتباع منهج تاريخي تحليلي للمدينة [1] مع وعيه التام بأن هذا الأخير، ليس هو بالضرورة المنهج الأوحد والأصلح لدراسة هذه الظاهرة؛ ذلك لأنها متعددة الدلالات، كثيرة الاحتمالات.

(1) - ينظر:Johnson.J.H.: The poet and the city, The university of Georgia press 1948-P:XVI.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت