فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 457

ولما كان واجدا نفسه - كما أسلفنا- أمام خضم واسع من الأشعار التي تغطي مساحة واسعة من الظاهرة، فإنه حاول - تلافيا للتشعب والتعميم- أن يحصر المفهوم الذي يتوخاه من وراء دراسته كما يلي:"شعر المدينة هو ذلك الشعر الذي يصف مدينة حقيقية وصفا واقعيا مباشرا، أو يصف الناس الذين تنطبع حياتهم انطباعا واضحا بعيشهم في مثل تلك المدينة، ومعنى هذا أن اختياري لن يتطرق إلى تلك الأحلام والرؤى والتهويمات والخيالات التي لها علاقة هشة، أو لا علاقة لها إطلاقا بالمدينة الحقيقية الواقعية" [1] .

وبهذا التحديد والحصر في التناول، عمل على استثناء كثير من النصوص الشعرية، التي تتناول مدن اليوتوبيا والمدن التاريخية، وعموما تلك التي لا ارتباط متين لها بالمدينة الواقعية، اعني تلك التي تمر مرورا عابرا بالمدينة كما هي في الواقع، أي تلك التي تقتصر على تقديم ملاحظات تسجيلية أو إشارات عامة.

وبناءا على هذا نستطيع التأكيد على أن الأدب الأوربي -وبخاصة الشعر منه-قد تأثر تأثرا بالغا بتلك الانقلابات العظيمة والجوهرية في ميدان العلوم والتكنولوجيا وما تبعها من تغيرات صميمية في أمور الحياة، فغدا متميزا بانفجار اليأس والإلحاد، وأصبحت القيم الأساسية في الثقافة الأوريبة موضع تساؤل ومماحكة عويصة، فبرزت آلاف من القصائد الشعرية بل الدواوين [2] -ناهيك عن الروايات والمسرحيات- التي تتحدث عن عبث الحياة -نتيجة طغيان النزعة التجارية الصناعية المعقدة في العلاقات- وعن الدمار الأكيد الذي يحيق بها، وعن لا معقولية الوجود الإنساني فيها.

(2) - الأرض الخراب لـ: ت.س اليوت، أزهار الشر لبودلير، وقصائد كثيرة لـ: بليك الإنجليزي...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت