فهرس الكتاب
فباريس -على سبيل المثال- كمدينة كبرى، في أدب القرن الثامن عشر، لم تأت إلا مقترنة بالشعور بالضياع والاغتراب والعزلة والجدب الروحي، ولم تجسَّد إلا على أنها تلك المدينة الخاطئة [1] الغارقة في وحل قاذوراتها وروائحها الكريهة، والتي لا مظهر لإنسانها سوى الشكوى والتذمر من تلك التجمعات السكانية الهائلة، وضجيج وخطورة تلك الوسائل المعتمدة في النقل والتي تهدد حياة الإنسانية. لقد صور أدب ذلك القرن الحياة فيها"على أنه رقص خطير من أجل العجل الذهبي. وفي أثناء هذا الرقص يسقط الكثيرون، ويخسر آخرون سمعتهم وصحتهم، لأن الطمع والجشع من أجل الثروة يسلب البشر شخصياتهم ويجعلهم قساة القلوب" [2] . ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى ربط صورتها بمدينتين خاطئتين هما بابل السومرية، ولابيرنث (labyrinth) الإغريقية ؛ حيث تمثّل الأولى الفوضى، وتمثل الثانية الذين لا وطن لهم3.
وجدير بالذكر انه تضافرت عوامل عدة، جعلت من باريس -كمدينة كبرى- مدينة مرفوضة من قبل أدباء هذا القرن، إذ ثمة عوامل اقتصادية -على نحوما رأينا- وثقافية وسياسية ودينية، ولقد كان هذا الأخير - أي العامل الديني - أبرزها لكون ذلك الأدب أو لاه اهتماما كبيرا؛ حيث ساد الاعتقاد آنذاك"أن ازدهار باريس (بابل الجديدة ) وتقدمّها، هو أمر يقتضي بالضرورة تدهورها وتدميرها، يعني الابتعاد المطلق عن الله" [3] .
2-بودلير والمدينة المرعبة:
أما صورتها في أدب القرن التاسع عشر، وتحديدا عند بودلير
(1) - ينظر: خليل الشيخ: صورة باريس في الأدب العربي الحديث حتى الحرب العالمية الأولى دراسة في تلقي جماليات المكان الأوربي، عالم الفكر مج 19،ع2،1988، ص 187، عن Siegfried Juttner ,Paris Bilderdes 18 Jahrhunderts Eine Skizze. PP:172,202,174.
(2) -3- خليل الشيخ، م.ن، ص.ن.
(3) 4 - م.ن، ص 188.