فهرس الكتاب
في الديوان السابق، ليست سوى عالم ميّت، مقرف. إنها ذات وجه مزعج لا يبعث إلا على القلق والشعور باليأس، والإحساس بالغربة والعزلة، ويدفع بالنفس إلى البحث الملحّ والمضني عن عالم مثالي تتخلص فيه من ربقة وثقل واقع هذه المدينة الكبرى التي تفيض رعبا وقبحا وعقما، وتتردى في مهاوي الرذيلةووحل الخطيئة (المتاهة الموحلة، الماخور) [1] ، وتحاصر الروح بمظاهرها الطاغية (الجحيم، المعتقل) 5- المتمثلة في الشوارع المسفلتة والأضواء الاصطناعية المبهِرة، والخطابات الفارغة، والإعلانات الاشهارية الآخاذة الزائفة، واللافتات البشعة، التي تعمل -كلها- باتجاه سيادة المادة وطغيانها، وتلاشي الروح وذبولها وضمورها تدريجيا. أما باريس القديمة باريس الروح والإنسانية والحرية،"فقد تلاشت إلى الأبد:"
إنّ باريس القديمة لا توجد الآن. لقد تغيرت
إنّ صورة المدن تتغير بسرعة مثل تغير قلب الإنسان" [2] "
وباريس الحديثة - على عهد بودلير- لا تعدوأن تكون عبارة عن كتل حجرية (مرمرية أو معدنية) مكعبة أو مربعة ذات قيعان عكرة تبعث على الرعب والقرف:
حيث يمكن تأمل المدينة بكاملها، سعتها
مستشفى، ماخور، مطهر، جحيم، معتقل [3]
(1) -5- ادوارد غاييد: المدينة في شعر زماننا: في (الإنسان والمدينة في العالم المعاصر) ، ص 215.
(2) 6 - خليل الشيخ: صورة باريس في الأدب العربي الحديث... مجلة عالم الفكر (مرجع سابق) ، ص 188.
(3) - ادوارد غاييد، المدينة في شعر زماننا: في (الإنسان والمدينة في العالم المعاصر) ، تر/ كمال خوري، ص 215.