فهرس الكتاب
المدينة البودليرية هي موطن المتناقضات، والفوضى والقبح والبؤس والضوضاء والبشاعة، إنها الموطن الذي فيه يلاقي اله الحب تحولا قاسيا فيتجرد من خفته التي منحتها إياه آلهة الحب ويتجلى تحت شعار الدعارة والمسمّاة باسمها بفظاظة ويتزين (بسحر جهنمي) فاقدا بذلك خصائصه، متجها نحومسايرة خصمه العنيد إله الموت، فتصبح المدينة ليس فقط المكان بل الرمز لهذه المسايرة المتناقضة، ومن هنا ينشأ ازدواجها العجيب بالنسبة للشعر في جذبه ونبذه" [1] ، باعتبارها المكان الأوحد الذي يحتضن الإنسانية بكل تناقضاتها، بحبها ومقتها، حياتها وموتها. فهي موطن الألفة، كما أنها موطن القبح والبؤس، ولكن الشرّ يغلب عليها، لأنه لا يوجد فيها على الأغلب إلا"حثالة من الناس غير مميزة، متحولين إلى لعب كرتونية أو أشباح" [2] . ويوسع بودلير من نظرته إلى المدينة فيعطيها حيزا أكثر بعدا وأوسع مجالا من خلال ما يسميه (ملذات الرعب) ، ومن خلال استعماله لتلك العبارات ذات الخاصية الغامضة التي لا شكل ولا إطار محدد لها من مثل قوله (المتاهة الموحلة) أو (اختلاط المدن الحية) أو (المحيط الأسود للمدينة النجسة) ، ينضاف إليها تلك الأسماء الفضفاضة التي توحي بالاغفال والتغليف واللاتمّييز مثل (جمهور، قطيع، جمع، مباءة) . ومكانه المفضل في ذلك هو المدينة، المدينة الكبيرة العصرية، التي تقترن وترتبط دائما في أشعاره بعبارات مثل: جحيم وجهنم وما في معناهما، وبخاصة في (أزهار الشر) -كما أشرنا-. فباريس المعروفة من خلال الأساطير بأنها مدينة النور والأنوار، تصير على يد بودلير مدينة الرعب والظلمات، وسائر ألوان المعاناة، كالأحزان، والأمراض، والجرائم... [3] ."
(1) - ينظر م.س، ص 215-216.
(2) - م. ن، ص 214.
(3) - ينظر: Johnson .J.H (The Poet and the city) Ibid, P:125.