فهرس الكتاب
ولكن على الرغم من هذه النظرة السوداوية إلى المدينة ومهاجمتها وإدانتها، إلا انه يحاول أن يأخذ معه عناصر ومظاهر المدينة الصاخبة المثيرة إلى تلك المنطقة الغامضة من النفس ويلقي عليها غلالة شفافة من رقيق الشعر وسحره، محاولا من خلال ذلك أن يضفي نوعا من الصوفية والروحانية على مادية عناصر المدينة الكبيرة، وأن يوحّد بين أنوارها الاصطناعية وأنوار السماء الطبيعية، وبين شذا الأزهار ورائحة الغاز، ضجيجها وضيقها وسكونية الطبيعة ورحابتها، بين ثقل الواقع وكثافته وخفة الحلم وشفافيته. ففي قصيدته (حلم باريس) يصف الشاعر رؤيا عجائبية عن مدينة صناعية غريبة لا تنتهي إلا بالامتداد إلى أقاصي أطراف العالم، مدينة غير واقعية لا توجد إلا في عقل هندسي مجرد، مدينة حلمية ليس فيها -على عكس مدينة باريس ذات الوحل والضباب- إلاّ:
الرتابة المسكرة
للمعدن والرخام والماء [1]
إنها مدينة قاحلة مقفرة، لكنها متخلصة من الزحمة البشرية المسبّبة للدوار، ومتخلصة من النبات الوحشي الباعث على الرعب.
أما قصيدته (دعوة إلى السفر) فهي تجسيد للتناقض الصارخ والحي بين ما (هنا) وما (هناك) ، بين المدينة الواقعية وما فيها من فوضى وقبح وقلق وعذاب ويأس، وبين المدينة الحلمية التي يدعو (طفلته) للرحيل إليها معه، وما فيها من نظام وجمال وترف وهدوء ولذة:
هناك كل شيء ليس إلا نظاما وجمالا
وترفا وهدوءا ولذة [2] .
(1) - إدوارد غاييد: المدينة في شعر زماننا في (الإنسان والمدينة في العالم المعاصر) ص 216.
(2) - م.س، ص 214.