فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 457

إذن وهكذا فالمدينة العصرية الكبيرة عند بودلير ليست مرادفا للعجز واليأس وعلامة على الضياع والبؤس والتمزق وحسب، بل هي المنفى الذي يجعله يفكر جدّيا بشواطئ بعيدة حالمة، ولكنه مهما حاول أن يفر بخياله من هذا الجحيم، فإنه في الأخير مضطر للعودة إلى واقعه، فقصيدته (الدعوة إلى السفر) -التي رأينا- ما هي إلا دعوة آنية إلى الاستراحة الحالمة والقصيرة: أمام مشهد مدنيّ مزين بهيبة الأسفار إلى ما وراء جميع الآفاق الأرضية، ليعود بعدها الشاعر ويغرق من جديد في عالم الوقائعية، عالم المدينة المتناقض المتضمن لذروة الأناقة وذروة البؤس...

يتحدث بودلير عن المدينة في كل هذا بأسلوب لا يخلومن نبرة المحادثة اليومية الموحية بطاقات شعرية كبرى، مع التركيز المفرط في التعبير، عن طريق الاقتصاد الشديد في الألفاظ، كما في قوله مثلا:"أولا ضربتان بالمفتاح، يبدولي أن دورة المفتاح هذه ستزيد في وحدتي وتَقوى الحواجز التي تفصلني حاليا عن العالم [1] ".

إنها كلمات مركزة بسيطة، تحمل نكهة الشارع والزمن اليومي، لكنها محمّلة بشتى الدلالات، موحية بشتى الانفعالات، غير عامدة إلى تغليف التجربة وتعتيمها بتلك الإبهامات والتفريعات التي لا تضيف شيئا.

غير أن ما يلاحظ على موقف بودلير من المدينة، هو هذا التناقض؛ فهومن جهة يدينها ويجسد فظاعة الحياة فيها:" (حياة فظيعة، مدينة فظيعة) ، ويصور فوضاها ووحدة الإنسان فيها وينشد مخرجا منها، فينشئ مدنا حلمية خلاصية، ومن جهة أخرى إقبال عجيب على التردّي في ملذاتها والاحتراق في أتونها، والتطلع إلى القيم الأرستقراطية للّهووالأناقة فيها."

ولكن لا غروفي ذلك، فما هذا التناقض في المواقف إن هو إلا تجسيد أو انعكاس لما هو موجود من تناقض في المدينة، فهولا يري فيها"إلا ذروة الأناقة وذروة البؤس وجميع التناقضات البشرية" [2] التي تعتمل داخلها.

(1) - ينظر: م.ن، ص 217.

(2) - م. س، ص 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت