فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 457

والنتيجة التي يمكننا الانتهاء إليها من خلال هذا العرض هي أن المدينة العربية ومنذ مطلع القرن، ومع تزايد معطيات التكنولوجيا الحديثة فيها وما صاحبها من تطور حضاري متسارع الخطى، لم يترك للمرء فيها فرصة التأمل الهادئ، ومراجعة الذات المتأنية، ومع ابتعادها عن البراءة ونزوعها نحوالتعقيد في أسلوب الحياة، وسقوط القيم فيها، وانتشار أشكال البيروقرطية والتسلّط، وسيادة البؤس والحرمان، إضافة إلى تلك الضجات المتلاحقة، وتلك الثورات المتتالية، وذلك الوعي المتصاعد، بهذا وبغيره، عملت على مناوأة الشاعر وحمله على الثورة عليها، والتمرد على قيمها ومعاييرها، كما رأينا مع جبران خليل جبران والياس أبو شبكة المطالِب بتطهير مجتمع المدينة بالكبريت، أو الفرار من جحيمه إلى عوالم خيالية طوباوية كـ (صلاح لبكي) المتغني بروعة الطبيعة وهدوئها، المندمج بذاتيته الرومانسية الحالمة معها، أو التشكي من سقوط القيم فيها والابتذال الذي يسودها (محمد العيد) و (أحمد سحنون) الفارّ من ضيق دروبها وفساد هو ائها، إلى سعة أفق الصحراء ونقاء نسماتها... أو مهاجمتها بعنف نظرا لفسادها السياسي كما رأينا مع الجواهري.

إذن وهكذا"وإذا كانت الصحراء امتحانا لقدرة العربي على تحقيق ذاته فلقد كانت الحياة المدينية الجديدة في مرحلة ثانية اختبارا آخر لقدرة الروح العربية على التكيّف في حضارة تستند إلى الأشياء المادية، لقد تعددت صورة الصراع بين الريف والمدينة وكأنه صراع بين الله والإنسان" [1] أو بين الروح والمادة،

(1) - مناف منصور:"الأدب العربي قضايا ونصوص"، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، ش. م.ل، الفيري، بيروت 1975، المدخل، ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت