فهرس الكتاب
ولكن ما تجدر الإشارة إليه، هو أن تناول شعراء الإغريق لمدنهم لم يكن من هذا الجانب فقط- جانب الإيجابية فيها- بل تناولوها من زوايا أخرى. فعلى الرغم من أثيرية المدينة لدى الإنسان الإغريقي وارتباطه الروحي بها، والتغني بفضائلها، إلا أنّ هذا لم يخل من مشاكل متصلة اتصالا مباشرا بتطوّرها ونموّها، وزيادة كثافتها السكانية وتكدّس الأحياء فيها، حيث أصبحت"روما وقرطاجة وبعض مدن الشرق والشرق الأقصى عمالقة التجمّع البشري على مساحة محدودة ضيّقة، وبهذا كانت تشكل وسطا حيويا وكانت تضع أمام إمكانية الإيلاف النفسي للأحياء مشاكل تعادل مشاكل الإيلاف المادي" [1] الأمر الذي خلق مصاعب جمّة وسبّب بعض القلق والتوتر لساكنيها، ولكن هذا لم يكن ظاهرا بشكل لافت للنظر في المخطوطات القديمة، بل كل ما في الأمر لا يعدوأن يكون عبارة عن إشارات عابرة كبعض"الشكاوي من الضوضاء اللّيلي الذي تحدثه المركبات التي تجلب الخضار إلى السوق أو بعض الملاحظات الساخرة عن الأخلاق المنحلة للجواري أو عن رائحة العامة المتكدسين في مدرجات المسارح" [2] ،أما ماعدا ذلك - أي عدا التغني بفضائلها أو بكائها، أو إبداء بعض الملاحظات العابرة حول التبرّم بها - فإن وجهة الشاعر في أغلب الأحيان تكون"نحوالحقول حيث يسهل عليه تفسير الوجود الإنساني وعلى الأخص لأن تجربة الحب تتحدد تقليديا مع تجربة المناظر الطبيعية والفصول في حين أن الوسط المدني يصلح أكثر لنشاط العشق والتبذّل" [3] .
(1) 10 - مجموعة من المؤلفين، الإنسان والمدينة في العالم المعاصر، ص 212.
(2) - م.ن، ص.ن
(3) - م.ن.، ص ن