فهرس الكتاب
يتبدى لنا من خلال هذا وكأن الشاعر الإغريقي كان يعمل وبشتى السبل للحفاظ على جلال مدينته وقدسيتها لديه- لأنها تمثل النظام الإلهي الذي يجب أن يحترم - ويتحاشى الصدام بها، فيتّجه بعيدا عنها إلى المواضيع الطبيعية، حيث يتسنى له تحقيق نوع من التوازن والصفاء الروحي، دون مهاجمتها. فالمدينة في عرفه وقرارة نفسه ما تزال بخير، لأن الآلهة مازالوا أحياء يرعونها ويحرسونها.
3-التراث المسيحي والمدينة الجنّة:
أما العصور المسيحية الوسطى وتراثها، فإن المدينة فيها تكتسب جلالا خاصا وتقديسا معتبرا، لكونها"تمثل النظام والجمال والأمن الإلهي. وهي صورة مميزة عن الخلود السعيد" [1] ، إنها مقر للأبرار المختارين"على شكل مدينة محصنّة جيّدا ومغلّفة بغلاف من الذهب والأحجار الكريمة" [2] ، إضافة إلى كونها تمثل نمط نشوء الحضارة والتراث المسيحي. فالمستقصي لمنحى تاريخ حضارة العصور المسيحية الوسطى لا يجد مندوحة عن تتبع ودراسة أحوال مدن مثل: روما أو البندقية أو ميلان في تلك الحقبة، بوصفها الشاهد على تلك الحضارة والوعاء الحامل لتراثها، وعندئذ سيجد أن تلك المدن كانت تمثل"نمطا حضاريا مميزّا بما تمثّله من علاقات ثقافية ودينية واجتماعية وحكومية" [3] . هكذا كانت المدينة بالنسبة إليهم تمثل الدين بكنائسها والمعرفة بجامعاتها والحضارة بهذه وتلك، وهذا بعدما"تحولت مراكز المعرفة والشريعة من الأَدْيِرَة إلى الجامعات. وفي هذا التحوّل اندمج المنحى السامي للمدينة الغربية، فالتصق الرمز الروحي لها بوجودها المادي، وأصبحت المدينة في عرف القديس أغسطيوس دير الربّ". وهكذا اندمج الروحي بالمادي وتآلفا، واكتسبت المدينة بذلك جلالا وقدسية وأصبحت جنة أرضية...
4-الطلائعيون والمدينة الجحيم:
(1) - م.س، ص: 213 .
(2) - م.ن، ص.ن.
(3) - محمود شريح: تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، الفكر العربي المعاصر،ع 10، شباط 1981، ص 89