فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 457

لكن هذا الجلال والتسامي للمدينة يبدأ بالانحدار والتلاشي بخطى وئيدة مع مرور الزمن، بعد ضعف سيطرة القدسيين، وبروز نخبة من الطلائعيين التحرّريين والمتفرّدين في نظرتهم إلى الحياة، الداعين إلى فصل الدين عن الدولة بسبب النفي والتعذيب والقتل الذي تعرّضوا له من قِبل الكنيسة بدعوى الخروج عن التعاليم المقدسة ونشر الهرطقات، إذن، وبعد انتصار هؤلاء المتحررين واندماجهم في الحياة والتعبير عنها بما يشعرون لا بما يملى عليهم، برزت القيم السلبية للمدينة وفقدت جلالها، وهذا في الوقت الذي بدأ فيه الإنسان يتهيأ"لبناء أو رشليم [1] الجديدة بدءا من الأرض ومن هذا الزمان" [2] ، الأمر الذي جعل الإنسان يصاب بالذهول"إذ يرى القيم المرتبطة بصورة المدينة تنعكس: يبدوأنها تصبح رمزا سليبا بصدق وعمق، متحد بصراحة مع الطرف الآخر من التناقض حيث تظهر الأبدية: الجحيم"3، وهذه الرؤية الرائدة يضطلع بها الشاعر بودلير، الذي خلخل البنى الفكرية وتفرّد بإبداعه، واستطاع أن يجعل كلّ ما كان يُعتقد أنه غير شعري، موضوعا شعريا [3] .

5-التراث العبري والمدينة/ الفردوس المفقودة:

(1) - أو رشليم: رمز للحياة الآخرة بعد الموت في الإنجيل

(2) - 3- مجموعة من المؤلفين، الإنسان والمدينة في العالم المعاصر، ص 213.

(3) 4 - لنامع بودلير وقفة خلال تتبعنا لفكرة المدينة في الشعر الغربي الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت