فهرس الكتاب
أما المدينة في التراث العبري فإنها"مدينة الله"، وهي تمثّل التضامن والاتحاد والتحابّ، وخروج الإنسان من هذه المدينة يعتبر غضبا إلهيا عليه، وهويعادل تماما سقوطه من عالم الفطرة والبراءة الأولى، لدرجة أنّ"ما من مدينة على وجه الأرض تعوّض على الإنسان قيمة الفردوس المفقود" [1] . ولذلك فهودائم البحث عن هذه المدينة الفردوس، ولا يتمكن من إيجادها في جميع الأحوال، فيختار مضطرا السكن في المدينة الأرضية (الجحيم) ، ويبقى دوما ينظر إليها بعين مريبة ونفس متململة شاعرا بانفصاله عنها وغربته فيها، فهي في نظره حتى وإن امتلأت بشرا وازدهرت حضارة تبقى تعاني قحطا دينيا وجوعا عاطفيا" [2] . وما يصعّد هذه الريبة ويعمق شرخ هذا الانفصال، ويكثّف غربته ويزيد من وطأتها على نفسه، هو ما تعرض له الإنسان العبري على مرّ العصور من تشريد ونفي وتشتيت، ممّا ولّد لديه شعورا متأصّلا باللاّ انتماء، وأصابه بعقدة الخوف التي لا تبرحه، فهودائم القلق، جاهلا لمصيره، متطلعا دوما إلى"أرض الميعاد"حيث الانتماء الحقيقي والهدوء النفسي والاستقرار العاطفي والتشبع بالتعاليم الدينية [3] ."
أ- غياب المدينة في الشعر الجاهلي:
(1) 5 - محمود شريح: تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، الفكر العربي المعاصر،ع 10، شباط 1981، ص 89.
(2) 6 - م. ن، ص. ن.
(3) - ولكن هذا لم يمنعه من محاولة الاستيطان والتشبث بمدن الغير، والعمل على التوسّع كلما وجد الفرصة السانحة لذلك، بل ويعمل جاهدا على خلقها وبشتى الوسائل سواء فيها المشروعة أو اللا مشروعة، وهذا كله نتيجة عقدة الخوف الملازمة له، كما ألمعنا، وشعوره العميق بعدم وجود مكان خاص به ينتمي إليه.