فهرس الكتاب
لم يكن الشاعر الجاهلي يبكي حضور المدينة بقدر ما كان يبكي غيابها، ولم يكن يبكي ثقل عمرانها وكثافة بشرها، بقدر ما كان يبكي أطلالها الدارسة وخلوها من أهلها. يتجلى هذا من خلال البرهة الطللية، التي هي - بحق - تعبير صميمي عن لحظة الوعي بالعُرِيّ الحضاري، أو لنقل لحظة الوعي بغريزة الموت التي تدب في أو صال الحياة بصمت، ففيها تتجلى معاينة التخريب الذي حلّ بالكون والإنسان، فأباد عمرانه وأدرس ما شيّده، وهنا يتحول الوقوف على الأطلال إلى وقوف غريزة الحياة، التي يمثلها الشاعر في وجه غريزة الموت التي يمثلها الجدب والقحط الطبيعي، وغياب العمران وكذا الكبت الجنسي، على اعتبار أن الجنس هو رمز الحياة وازدهار عمرانها،"فشعراء الجاهلية لم يبكوا بَيْن الأحبة بقدر ما بكوا خلوالدّيار من أهلها، وكأن نفس الشاعر البدوي كانت تتوق وتتطلع إلى استقرار حضاريّ، طرفه بن العبد يرمز بخولة إلى المرأة بمنحى شمولي وبديار خولة إلى الأرض. إنّ المقدمة الطللية في معلقة فتى كندة توحي بالسكون الناتج عن نهاية الاستقرار الحضاري، فالأرض يباب وأهلها رحلوا، ولذا بكى الشاعر لخيبته بكاء مراّ ووقف أمام الطلل عينه تذرف وكأنه ناقف حنظل" [1] . فالشاعر الجاهلي كان يشعر بفقدانه السيطرة على المكان، ويعاني هروبه الدائم من قبضته، ولا يجد -في هذا- سوى الذاكرة ملجأ وعونا لاستحضاره واستحيائه بتلك الصور المتداعية، والهروب والتمنّع، خاصية من خصائص الأنثى، ولذلك فلا غروفي أن يتربط فقدان المكان - وبخاصة المكان الآهل- عند الشاعر الجاهلي بفقدان المرأة التي هي"عامل التواجد والتواصل الإنساني، وفقدان الأرض، عامل الخصب والاستقرار الحضاري، وفقدان المطر، عامل الخصب والتواجد والتواصل."
(1) - محمود شريح: تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، الفكر العربي المعاصر،ع 10، شباط 1981، ص 89.