فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 457

وتأتي الأحاديث الشريفة متماشية مع روح التنزيل في النظر إلى القرية (المدينة) والموقف المحذر منها- ولا غرو في ذلك فالسنّة الطاهرة بيان للقرآن الكريم وتفصيل لما أجمل منه - وهناك الكثير من الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يختص بالمدينة، تحذر فيها بوضوح من فساد المدن وما يتولد عنها من المعاصي [1] ، ففي غزوة تبوك يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنّه حذّر المسلمين من دخول ثمود الفاسدة، كما ُأثر عنه (ص) أنه صعد يوما إلى أعلى جبل أحد فأشرف على المدينة وقال:"سيتركها أهلها على أحسنها يوم القيامة".

والمتتبع لموقف المؤرخين العرب والمسلمين - بما في ذلك الفرق الإسلامية على اختلاف اتجاهاتها - سيجد أنها لا تشذّ كثيرا عن موقف القرآن والأحاديث النبوية منها، ولعل هذا ناتج أول الأمر عن تشبّعهم بنظرة الدين إليها وحذرهم المسبّق منها، ينضاف إليه ثانيا خبرتهم بها، وتجاربهم المريرة فيها، وما عانوه من تسلط وتجبر وعزلة وتهميش...

إن المتتبع لتوارد وتواتر فكرة المدينة في هذه المصنفات، يلاحظ أنها لم تناقش من منطلق ضيق، أو من منظور اجتماعي محدود، أو بنظرة أحادية، وإنما نوقشت ضمن أطر واسعة وانبنت على دعائم وأسس عقائدية وأخلاقية وفلسفية وفكرية وسياسية صلبة ومعيشة. هذا ما يؤكد أن موضوع المدينة ضارب بجذوره في عمق التاريخ العربي كأبلغ ما يكون، ولم يكن مجرد موضوع منبتّ الأواصر والأسباب، بل كان موضوع مناقشة جدّية تتأرجح ما بين فكرة محاولة التكيف مع أجوائها وأحوالها، وبين رفضها رفضا يقوم على أسباب وتبريرات مختلفة ومعقولة .

3-موقف الخوارج السياسي (المدينة الزائفة) :

(1) - ينظر طريف الخالدي، فكرة المدينة في صدر الإسلام، ص 58 -83 -دراسات في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، ط2، دار الطليعة، بيروت، 1979

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت