فهرس الكتاب
إ ن الأدب العربي في صدر الإسلام يزخر بالإشارات البليغة إلى طبيعة المدن الزائفة، وليس من شك في"أن المقارنة بين هو اء المدن الفاسد وهواء البراري النقّي هي من أشهر مواضيع الأدب العربي إذ كانت جزءا من ذلك الصراع الشهير بين حياة البداوة وحياة المدن" [1] . وما هروب الأمويين والعباسيين من قصورهم الفخمة في المدن ولجوؤهم إلى الصحاري طلبا للراحة والتأمل والسكون، إلا دليل ساطع على فساد المدن وما أثقلت به كواهلهم، وتأكيد بليغ لذلك الصراع، يضاف إليه حبّ العربي للحرية والانطلاق ورحابة الفضاء، حيث يتسنى له تحقيق ذاته وتأكيدها. فالمدينة بكثافتها السكانية وتطوّرها الاجتماعي، ساعدت على تعميق شعور الذات بضآلتها وهامشيتها، حيث أضحى"المجتمع كتلة كثيفة معتمة تحول بين الشاعر والضوء، فازداد شعوره بأنه منبوذ ومحاصر، مخنوق" [2] ، الأمر الذي أدى إلى تصدّع العلاقة بين الأنا والآخر، وفقدانها لتلك الحرارة والحميمية المعهودة بين أبناء القبيلة، وانبنائها على النفعية والمادية وما تمليه الضرورة المتمخضة عن تشابك الحياة الاجتماعية وتعقدها، فكانت في جملتها زائفة وآنية، فأكدت التصدّع وزادت الشعور بالضياع، وعمّقت الهوّة، حتى أصبح الفرد يشعر"أنه وحيد والآخر جدار في وجهه [3] وعقبة كأداء تعيق تحقيق مطامحه. ولعل أصدق مثال على ذلك في العصر الأموي، هم الشعراء العذريون، الذين بلغ بهم الضيق بوطأة المجتمع والشعور بسحقه لذواتهم، إلى حد التمني أماني شاذة وقاسية هروبا من واقع أقسى لا يمكنهم احتماله. من ذلك قول عروة بن حزام:"
ويا ليت أنا الدّهر، في غير ريبة،
بعيران نرعى القفر مؤتلفان
(1) - طريف الخالدي: فكرة المدينة في صدر الإسلام، دراسات في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، ط2، دار الطليعة، بيروت، 1979 -ص73
(2) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط4، 1983، ص 38.
(3) - م: ن، ص: 38.