فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 457

وهناك الكثير من الأبيات التي تؤكد اغترابهم، وتعّبر عن زهدهم في الحياة، والتعجب ممن يتهافتون على اقتناء ملذاتها والسير في ركابها [1] .

لقد جعل الخوارج من شعرهم على الرغم من الزهد الذي يتملكهم أحيانا - جمرة يوقدون بها عزائمهم ويلهبون بها حماس تابعيهم، وهكذا تفاعل شعرهم مع ديناميه مبدئهم، فلا نكاد نلمس في هذا الشعر إلا حنقا على السلطة وغضبا عليها، والحكام في شعرهم دائما كفرة جائرون، عن الشريعة منحرفون، ومجاهدتهم وتطهير المدينة منهم هو المبدأ القويم، لذلك يستمر شعرهم في تحدّيه وصراخه والتهابه وتجريحه. فهم ينفون أنفسهم من مدينة (الظلال) والجور طوعا، ويستعلون، ولكنه استعلاء على الحكام الطغاة، لا على سواد الشعب المقهور، وعلى الرغم من ضراوة موقفهم السياسي، إلا أن فيه"تفاؤل المثالي الذي يؤمن في أن انقضاض الشعب على حكامه نهاية للظلم والفساد، وأن عهد العدالة والخير آت عند ذاك ليبقى" [2] ، ويستمر.

ومما يجدر ذكره أن الخوارج لم يكونوا شعراء، بل كانوا مناضلّي سياسة، لذلك لم يكن شعرهم راقيا من الناحية الفنية -إلا نادرا - فلقد كان في خدمة المبدأ، لذلك غلبت عليه النزعة الخطابية بإلهابها الحماسي، كما بلغ بذلك ذروة من ذرى أغراض الشعر السياسي الخطابي يندر أن نجد له مثالا في التاريخ العربي الإسلامي، فكان شعرهم فعلا دافعا إلى فعل التغيير والإصلاح، إصلاح المدينة من الجور والفساد وتخليصها من الضلال... فهم لم يدانهم أحد - في التاريخ القديم على حد ما نعلم - في مهاجمة المدن وهجاء أهلها.

4-الحنين إلى الموطن عند العذريين:

(1) - لمزيد من الاطلاع، أنظر: إحسان عباس، شعر الخوارج، ود/ عبد القادر القط، في الشعر الإسلامي والأموي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1979، ص 375 وما بعدها

(2) - جبرا ابراهيم جبرا: النار والجوهر: دراسات في الشعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط3، 1982، ص 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت