فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 457

ولكن هذا التشكي الكثير من الحرمان، قد لا يقف عند تعبيره الظاهري، بل يمكن أن يكون رمزا عاما وموقفا شاملا، من تلك النقلة الحضارية التي أربكت حياة العربي، وحاولت أن ترغمه على الانسلاخ عن عاداته وتقاليده، ونمط سلوكه ومعيشته ذات الطابع البدوي الصحراوي المحدود، لتلقي به في خضّم حياة جديدة، لا قبل له بها، حياة فيها كثير من ضروب المتع الحسيّة، والمظاهر المادية المتناقضة، وأسباب التحضر الزائف [1] ، لذلك وجد نفسه مرتبكا حائرا بين حضارتين أو عالمين: قديم مألوف، وجديد مغر ومخيف، فأسقط موقفه الحائر المرتبك هذا على المرأة والحب، محاولا بذلك التماس سبل الخلاص من حيرته وغربته، فلا عالمه الأول قد بقى على حاله - نتيجة ما طرأ عليه من تغيير- ولا العالم الجديد استطاع التواؤم معه والاندماج فيه.

(1) - من أجل هذا آثرنا عدم التطرّق لظاهرة الغزل اللاّهي،كظاهرة جماعية، تمركزت التي تمركزت على الخصوص في مدن الحجاز: مكة والمدينة والطائف، وتزعمها على التوالي كل من: عمر بن أبي ربيعة، والأحوص والعرجي، نتيجة ما أصاب هذه المدن من لهووترف وفراغ بسبب اختلاط الحضارة العربية بالحضارة الأجنبية الوافدة مع الأسرى والسبايا ... آثرنا عدم التطرق لهذا، لأن دأبنا ليس بيان مدى إغراق الشاعر في أتون لذائذ المدينة وانسياقه وراءها، بقدر ما هو بيان مقاومته للتغيرات التي أحدثتها المدينة في حياته، ومحاولته المحافظة على أصالته وتقاليده فيها، وبالتالي معاناته ... وهوما يبينه تمسك الشاعر بما يسمى بالحب البدوي العفيف (العذري) . في وجه الطاغية للحب اللاهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت