فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 457

فمع قليل من التمعن في نتائج بعض الأصوات الشعرية العذرية، يمكننا القول أنها تمثل بخاصيتها الفريدة هذه، تصورا عاما للحياة وموقفا منها، ومن طبيعة العيش فيه، وهوفي مجمله موقف رفض يائس نتيجة عدم التكيف معها. فإن كنّا قد وجدنا في الشعر الجاهلي بعض الإشارات القليلة لليأس، فإننا نواجه في الشعر العذري، بتجارب مؤلمة وأحاديث كثيرة عنه، توحي بأنه يتجاوز عاطفة الحب، ليتمظهر في رموز ودلالات نفسية أخرى تتشعب شعاب الحياة، غير الحب. فالشاعر متأزّم ممزّق، أزّمته الحيرة ومزقه الشك، وأطبق عليه اليأس، فحمل سوطا وجدانيا - تمثل في الحب المكبوت - وضرب به، يريد من خلاله هدم هذا الواقع المعتم المشكوك في جدواه، والذي يحيل بين الذات وتحقيق مطامحها، ومن ذلك قول المجنون:

وإنْ أكُوعَنْ لَيْلَى سلوتُ فإنَّمَا

تسليّت عن يأس ولم أسل عن صبر

وإنْ يَكُ عَنْ ليْلَى غِنًى وتَجلُدِ

فرُبَّ غِنَى نَفْسٍ قَرِيبُ من الفَقْرِ

وقول كثير عزة:

فإِنْ سَأَلَ الوَاشُونَ فيمَا هَجَرْتَهَا

فقُلْ: نَفْسُ حرٍّ سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت