فهرس الكتاب
1@رجاها فلما جاوزته استهلّتِ ... ففي هذه الأبيات لا نرى شيئا قدر رؤيتنا لحالة نفسية طافحة بالألم واليأس، فالذات هنا لا تملك حرية قرارها، ولا تختار طريقها، ولا ترسم إطارها بإرادتها، بل الآخر هو الذي يفرض عليها تعاليمه وقراراته، ويحدد لها مسارها، مصيرها، ولكن ما يأتي به هذا الآخر مناقض لما تعتقده هذه الذات، ومرفوض ولوسلبيا. ومن أجل ذلك نجدهم يعانون من إحباط واقع مؤلم حزين، يدحرهم في كل لحظة وهم يحاولون مقاومته بعنف، ولكم محاولاتهم هذه لا تجدي نفعا، لذلك نجد إلى جانب تلك الإشارات السابقة ذات الدلالة العامة، إشارات أخرى ليأس أكثر خصوصية وصراحة ومأساوية، فقد تكون أشد التصاقا بتجربة الحب ولكنها - مع ذلك ومن أجل ذلك - لا تخلومن دلالات أعمق على موقف عام من الحياة ورؤية غير متقبلة لها، ولعل الشاعر كُثير من أقدر هؤلاء الشعراء على تجسيد هذا اليأس والإحباط الناشئين عن انهزام الذات في مواجهتها، وفشلها في تحقيق أمنياتها ورؤيتها لآمالها تفرّ وتنزلق من بين يديها، وأحلامها
تهرب من أمامها بعد أن كانت منها قاب قوسين أو أدنى، ليفوز بها من هم في غير حاجة إليها [1] :
وكنت وإيّاها سحابة ممحل
تخلّيت عما بيننا وتخلّتِ ... وإني وتهيامي بعزة بعدما
تبوّأ منها للمقيل اضمحلّتِ ... لك لمرتجي في ظل الغمامة، كلما
فإن سأل الواشون: فيم هجرتها؟
فقل: نفس حر سلّيت فتسلّتِ
إنها أبيات تبدوفي تكاملها شديدة الإيحاء بعتمية النظرة، قوية الدلالة على خيبة الأمل المثيرة للحنق والغيظ والأسى، بل إنها تحمل في مجملها شعورا حادا يمكن أن يتجاوز خيبة الأمل في الحب لينبئ عن خيبة أمل في الحياة ككل، كما تتجاوز نطاق التجربة الفردية، إلى حال الناس في ذلك المجتمع القلق بوجه عام.
(1) - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ص 349