فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 457

ولقد تراوحت هذه الردود ما بين الرفض التام لما هو قائم والسخرية منه والتعالي عنه، وأحيانا الانعزال والانفصال، وهذه المواقف كانت بمثابة المنفى بالنسبة لأصحابها، اختاروها أحيانا طائعين مستعلين، وفي أحايين كثيرة مرغمين، تحت وطأة الإحساس بالقهر والتهميش، فهم يحييون في"زمن القرود"كما عبر أبو نواس ويعانون"صدأ العيش"كما يقرر أبو تمام [1] [2] .وهذه لاشك سخرية بكل مَنْ وما يحيط بالشاعر، ولكنها سخرية مريرة تحمل دلالة أعمق عن شعور متأصل بفقدان القيم الحقيقية في الحياة، كما تنبئ عن إحساس متضخم بالغربة والانفصال بل والتعالي عن الآخرين (المجتمع) ، إنها - بعبارة أخرى- تعبير تراجيدي عن خلل روحي هزّ أركان المجتمع وأصاب كيانه وفتّته، فأضحى مجتمعا ماديا لاهيا قاسيا يسحق الشاعر بلا مبالاته وإنكاره، فيجابهه الشاعر بأن يسحقه هو أيضا"فيسخر منه ويحتقره ويتمرد عليه [3] . إنها السخرية - التبرّؤ من أدران المجتمع والتمرد على قيمه الزائفة، ونشدان الحلم الحامل لشفاء الروح وخلاصها."

(1) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط4، ص38 -39.

(2) - لقد تجلت الحساسية المدنية وقوة التعبير عنها على أشدّها، في هذا العصر، عند كل من ابي نواس وأبي تمام. وأمثلت في رفضها للقديم . ولكن لكل منهما سلوكه الخاص به في هذا الرفض . فالأول قد نظر إلى العالم كما هو وعاشه كما هو ، ورسم له صورا حية بالكلمات، فطابق بذلك بين الشعر والحياة، بينما نظر الثاني إلى العالم كما هو وعاشه كما هو أيضا، ولكنه تجاوزه بخلقه لعلم فني مغاير لعالم الواقع . ينظر في هذا الصدد: أدونيس: الثابت والمتحول. (2) تأصيل الأصول، دار العودة، بيروت ط 3، 1982، ص: 109.

(3) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت