فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 457

هكذا لجأ أبو نواس إلى العبث ذي الطابع التمردي، فأحرق نفسه والمجتمع الذي احتقره وسحقه، واتخذ من الأمور التي تعدّ في نظر المجتمع خطيئة، مبدأ حياّ ومادة خاما لشعره وإطارا لحياته، فأضحت بالنسبة إليه - في إطار الحياة التي رسمها لنفسه -"ضرورة كيانية، لأنها رمز الحرية، رمز التمرد والخلاص" [1] ، من إيسار الواقع المرير، إنها البحث عن النشوة الأزلية التي لا تنفذ ولا يعكر صفوها طارئ، ولذلك ذهب يبحث عن مبتغاه في عالم آخر غير عالم الواقع، عالم سفلي، فكان غارقا دوما عند قرارة الكأس التي يشرب خمرها، ويحتفي بها في طقوس احتفالية غريبة، وإن كانت في نظر المجتمع جريمة واستهتارا بالقيم، فإنها بالنسبة للشاعر ممجّدة وضرورية، ممجّدة من ما عداها، وضرورية لاستمرار حياته وتأكيد وجود ذاته في ظل هذا المجتمع الذي لا يعترف به إلا إذا استفزه وأثاره بالسطوعلى قيمه، والاستهتار بمعتقداته. ولذلك فهويمعن في ارتكاب كل ما هو محرم، ولا يقنع إلا بارتكاب أعتى الأخطاء المتعمدة وأفدحها عن عزة نفس وكبرياء، نكاية بالمجتمع وانتقاما لنفسه العزيزة:

أنفت نفسي العزيزة أن تقنع

إلا بكل شيء حرام

ولا عيشا، فعيشهم جديب ... بل إنه لَيعتبر اعابتهم وانتقاداتهم لما يفعل، دعوة جد مغرية إلى التكثيف من تمرده واستهتاره، وعصيانه، وانتهاجه للذّة وتمسكه بها:

... كأنما أثنوا ولم يشعروا عليك عندي بالذي عابوا.

إنها رؤية عبثية جهمة هذه ولا شك وحالة اغتراب قصوى [2] ،

(1) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط4، ص52.

(2) - نعتقد أن احد أسباب احساس الشاعر باغتراب وانفصال، هو نزوعه التجديدي، وانسياقه وراء ما أتت به المدينة، وانفاله بمستحدثاتها . ولذلك نراه يتجاوز التقليد ورموزه القديمة: الطلل، الناقة، الصحراء، بل ويسخر من البداوة والحياة البدوية، فيقول:

0@ لا تأخذن عن الاعراب لهوًا

واقفا، ما ضرّ لوكان جليس؟ ... قل لمن يبكي على رسم الدرس

فهويرفض هذا النمط من العيش ويدعوا إلى نمط الحياة"في البلد". فيقول:

عاج الشقى على رسم يسائله ... وعجت أسأل عن خمارة البلد.

وكما نرى، إن هذا في حد ذاته يفترض نمطا آخرا من التعبير، يختلف عن تعبير البداوة .

ينظر: أدونيس: الثابت والمتحول (2) تأصيل الأصول، ص 109، 245

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت