فهرس الكتاب
ولكن لا مندوحة للشاعر عنها، لأنها غدت بالنسبة إليه حالة نفسية ملازمة، بل وأضحت إطارا حياتيا - لا يجوز الحياد عنه - وكيانا مفعما بالألق والزهور والحبور والحيوية.
لقد كان أبو نواس دائم النزوع إلى الارتباط بما هو ساحر وحلمي وشفيف، محاولا من خلال ذلك، الانفصال عن ثقل مادية الأشياء وجمودها وكثافتها المعتمة، والانخراط في العالم / الحلم، العالم الساحر، عالم الشوق الحلمي والأرضي، بصورة مباشرة، وهكذا يتفاعل عند الشاعر الواقع والحلم بعدوانية غريبة، ولكنها العدوانية التي تحاول الاندماج ولا تستطيعه، وتحاول الفهم ولا تدركه، نظرا للتناقض الجذري الموجود بينهما (الواقع والحلم) ، وهكذا جاء معظم شعره، يحمل طابع الخطيئة [1] ونبرة النواح الممزوجة بالخيبة والانكسار والدهشة والاستنكار.
إن إنسان أبي نواس المتمدن يجري وراء لذة حسية حالمة، تبقى دوما تطير في فضائها أمنياته وهواجسه ورغباته، التي لا يمكن لها أن تتحقق إلا في عالم متجاوز لعالم الواقع، هو عالم أسطوري، طوبه خمر، وسياجه خطيئة، وزخرفته سخرية، فكان بذلك"الإنسان العائش مع ذاته، المتخذ من العالم كله مجالا لتوكيد ذاته، الساخر من القيم العامة النهائية، ومن القائلين بها والقيمين عليها" [2] من سلطة اجتماعية أو سلطة دينية سياسية.
(1) - يرى أدونيس أن النواس حينما يتبنى المجون، الذي هو دخول فيما يمنعه نظام الأخلاق، ويتفتتن بفعل الخطيئة: إنما يفعل ذلك لمواجهة رعب العالم الذي يحيط به، ومقابلته، بمحاولته خلق لطف الحياة، هذا الخلق الذي لا يتمكن منه إلا بالخروج على المر والنهي بارتكاب فعل الخطيئة.
ينظر: أدونيس: الثابت المتحول (2) تأصيل الأصول، ص: 111،112 .
(2) -أدونيس مقدمة للشعر العربي، ص 53