فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 457

لقد أراد أبو نواس من خلال المزاوجة بين الشعر وسحره، والخمرة ونشوتها الآثمة، الهروب من وطأة المجتمع وقيوده،"والسفر إلى أفاضي الكيان البشري، والعيش في حالات روحية نادرة" [1] ، حيث يتسنى للإنسان أن يحيا لحظات أبدية، في أمان وحبّ الحّرية. حتى ولو كانت - واقعيا- وهمية، إلا أنها بالنسبة للشاعر من أكثر الحقائق يقينية، وبالتالي راحة. وهكذا ينسحب أبو نواس. من حياة المجتمع وضوضائها الفارغة، ليختلي بشعره وفي شعره، وليلتحم بكأس خمره، فيصبح الواقع عنده اقتراحا قابلا للإلغاء أو التأجيل، وتصبح الحياة الواقعية في عرفه لا شروعا، بل مشروعا مأجلا باستمرار، بل وتحقيقه شبه مستحيل...

أما تمرد المتنبي على المجتمع ومدنيّته فيأخذ بعدا أكثر تألقا وفردانية، بل وذاتية نرجسية عنيفة، تجعل من الأنا محكّا للعالم. المتنبي يأتي لكي يعري الواقع المتمدّن، ويكشف عن تجاعيده [2] من خلال تسليطه الضوء على نسائه [3] فيقول [4] :

ما أو جه الحضر المستحسنات به

كأوجه البدويات الرّعابيب

وفي البداوة حسن غير مجلوب ... حسن الحضارة مجلوب بتطرية

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ... أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها

ولا برزن من الحمّام ماثلة

أوراكهن صقيلات العراقيب

(1) -م.ن، ص 54.

(2) - بحسب تعبير ادونيس.

(3) - ويقول (لإمارتين ) في هذا الصدد:"إذا أردت أن تعرف رقيّ أمة فانظر إلى نسائها".

(4) -موجز ديوان المتنبي: شرح اليازجي، اختصره سليمان العيسي، دار طلاس الدراسات. والترجمة والنشر، دمشق، 05.ت، ص 368

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت