فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 457

يلتقط المتنبي أجزاء صورته من الواقع اليومي للمدينة وحركاتها العارمة مكثّفا، عبر لقطة شاعرة وإشارة ذكية، ليفضح هذا الواقع ويكشف زيفه، ويعرّى غضونه المختبئة وراء قناع مساحيق التصنع والتكلف من خلال مقابلة بين قطبين متناقضين، قطب البداوة بطبعها وأصالتها وقطب المدينة بطبّعها وتصنّيعها وتكلّفها، إنها سخرية ولا شك، ولكنها لاذعة، لا تنتهي عند هذا الحدّ، بل تتشعب تشعب مناحي الحياة، وتعدد مجالاتها، لتشمل كلّ ما في المجتمع، من أخلاق وأناس وأشياء.

فالمتنبي ذات مفردة، وحيدة، ضخمة وأبيّة، وهي أبدا في صراع دائم ومستميت مع العالم، محاولة تجاوزه والتعالي عنه، إنه"يفرز ذاته ويعرضها عالما فسيحا من الثّقة والتعالي في وجه الآخرين وضدّهم" [1] . فهودوما متعال أنوف، حاضنا لذاته عابدا إياها، مستعظما نفسه إزاء كل البشر، أمرائهم ورعاعهم على السواء. واستعلاءه هذا يعمقّه في نفسه تفاهة وصغار من يلقاهم ويخالطهم من الناس أينما حلّ وحيثما وجد [2] :

ودهر ناسه ناس صغار

وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهم بالعيش فيهم

ولكن معدن الذهب الرغام

تلعب لفظة (جثث) هنا، دورا فعّالا في تعميق الإحساس بالضّجر، وتكثيف الاشمئزاز وتمنح الصورة التي يريد الشاعر إخراجها دلالات أعمق، واحياءات أشف. وهي بطيعة الحال لا تعني الموت ولكن على الرغم من ذلك، فإنها تندّ منها دلالات وإحياءات تذكّر بالعفونة والنتونة والتفسخ، والروائح الكريهة المقرفة.

بهذه الرؤية المتعالية، يتبرأ المتنبي من هذا المجتمع ويتنزّه عنه، ويعلن اغترابه وانفصاله. فهووإن كان يعيش بينهم ماديا، إلا أنه غريب عنهم روحيا وفكريا ... إنه غريب لأنه نفيس ونادر، إنه الذهب في عالم كل ما فيه تراب، إن الغريب حقا في هذه الدنيا هو النفيس فقط حيث ما كان، وماعداه، فلا:

وهكذا كنت في أهلي وفي وطني

(1) -أدونيس مقدمة للشعر العربي، ص 55.

(2) - موجز ديوان المتنبي (م.س) ، ص 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت