فهرس الكتاب
فهذا المجتمع على الرغم من ترف أهله، وتوافره على كل أسباب الرفاهية والأنس، فإن الغربة والمعاناة المؤلمة لم تظهر ولم تتمركز إلا فيه. لأنه مجتمع تفككت فيه كل القيم والمعايير الاجتماعية، وأصبحت غير قادرة على التحكم في السلوك الإنساني وضبط تصرفاته، نظرا لنسبيتها وتناقضها وتغيرها باستمرار؛ حيث لم يعد هناك تفكير طوباوي أو رموز ومبادئ أساسية توجه تصرّف الإنسان وتحكمه، ففقدت الحياة بذلك معناها السامي و"أصبحت أسيرة القصور والحدائق والجواري وما إليهن. أصبحت عالما يضيق بعد اتساع، وينغلق بعد انفتاح، ويتفتت بعد تماسك تحولت إلى دويلات، لكل منها غاية واحدة: أن تستمتع وتلتذ بالحياة" [1] . فأصبحت التجربة واحدة إذن، ولم يعد هناك مجال لتفضيل تجربة على أخرى بل أصبحت جميع التجارب متماثلة ومتساوية من حيث القيم والجوهر. وفي ظلّ هذا التساوي القيمي والجوهري للأشياء، فإن كل شيء يفقد معناه ويصبح لعبا وعبثا، وما ينتج عن هذا من قلق ويأس واختلاف؛ فلا شيء يستثير الحماس ويستقطب مكامن التفس ويفجر إمكاناتها؛ وعند ذلك أصبح النص الشعري فارغ المضمون لا يعدوا أن يكون تكرارا شكليا باهتا مملا، نتيجة خلوالحياة من مضامينها. واثر ذلك فُتّت الإرث الشعري"وصيغ من جديد في زخرفيات [2] ونتف صنعية."
(1) - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، ص: 70.
(2) - إن اهتمام الأندلسيين بمعمارية المكان ومبالغتهم في تنميقه والتفنن في تشكيله، من خلال ما يسمى بـ (التوريق والتزهير) انعكس جليا على الشعر فظهر فيه هو الآخر ما يسمى بـ"التختيم"، أي تقسيم المكان الذي به الشعر إلى خواتم ومربعات هندسية على غرار ما هو في العمارة، بالإضافة إلى ما يسمى بالتفصيل والتشجير، إلى حد اعتباره ذلك كله داخلا في أبو اب البديع. أنظر: محمد عبد بدوي: الشاعر والمدينة في العصر الحديث، عالم الفكر، مج 19،ع3، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر 1988، ص:244